د.قاسم داود
نائب سابق/وزير الأمن الوطني الأسبق.
عرف شهر تموز بشهر الانقلابات العسكرية مثلما عرف شهر حزيران بشهر الهزائم والانكسارات العسكرية العربية في مواجهة اسرائيل وقد انفردت قلة من المثقفين العرب بالحديث المرتفع عن تشرين اذ حققت فيه القوات السورية نصرا في الحرب وبقي السوريون والكثير من العرب حتى سقوط نظام بشار الاسد يتغنون بتاريخ تشرين مدخلا لازالة عنوان الهزيمة وترسيخ التحرير نافذة للقوة العربية الجديدة !.
في تموز 1958 حقق الضباط الاحرار اول خرق في معادلة بناء سلطة ما بعد الحرب العالمية الثانية باسقاط النظام الملكي الذي تشكل في العراق على خلفية ثورة العشرين بتنصيب ملك عربي من الحجاز وفي تموز 1968 انقلب البعثيون على عبد الرحمن محمد عارف لينتهي شوط تموز وانقلاباته العسكرية حتى التاسع من نيسان 2003 اللحظة التي شهد فيها العالم حدث السقوط المدوي للنظام القبلي البعثي وبداية عهد جديد اراده المناضلون من اجله مفعما بالديمقراطية وتلبية مطالب العراقيين في الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والفرص المتكافئة.
وفي الحقيقة لم نكن نعرف ان النظام الديمقراطي الذي اردناه حرا سيدا على نفسه سيسقط في فخ الفساد برجاله وحكوماته المتعاقبة مع ان الذين تولوا السلطة العراقية بعد التغيير كانوا جزءا من سلطة العنوان الديمقراطي يبشرون العراقيين بولاية دستورية للشعب على مقدراته وهم الامناء على الثروة الوطنية والحاكمية السياسية وتطبيق العدالة !.
لقد وجدت نفسي في الــ 2019 اتحرك مع موج شعبي غاضب في بغداد عشية اندلاع حراك تشرين واسير مع الالاف من الشباب والرجال والنساء الى ساحة التحرير ايمانا بعدالة ذات الثوابت التي اصلناها في اوراقنا الوطنية ونحن نتحاور مع الدولي ونحاول اقناعه ضرورة المجيء بنظام ديمقراطي يتالف من مكونات الامة العراقية بمشاربها واطيافها وتياراتها الاجتماعية والقومية والدينية والسياسية المختلفة وارسال النظام السابق الى اكبر محاكمة في التاريخ.
اتذكر كلام مسؤول دولي وكنا نناقش عشيتها اوراق الحكم والادارة المشاريع المهمة الداخلة في عمق الحاكمية السياسية العراقية سألني يومها:
هل انت واثق ان الطبقة السياسية الحالية من رفاق العمل الوطني العراقي لن يمدوا ايديهم على المال العام وانهم لن يكرروا نسخة السلطات السياسية السابقة التي حولت العراق الى حديقة خلفية لتجار الحروب وشراء الاسلحة وبناء القصور وان العراق سينعم بالسلام والبناء والتنمية ويساء بعد ذلك الى تاريخ هذا العمل ويطعن بشرف التضحيات التي قدمها العراقيون في مواجهة استبداد سلطة صدام حسين ؟.
في الحقيقة توقفت قليلا عند كلام الصديق الدولي لكنني لم اتوقف طويلا عند ملاحظاته اذ لم اكن اتصور ان بعض الاصدقاء العراقيين الذين مارسوا وظائف سياسية وادارية متقدمة في ادارة الدولة سيمدون ايديهم على المال العام وينشأون امبراطوريات مالية مودعة في بنوك مجهولة وسيضربون اسوء الامثلة بالفساد والتعدي على ثروات العراقيين لهذا عندما سرت مع المتظاهرين الى ساحة التحرير وانا الذي كنت احاور الدولي الى جانب نخبة من السياسيين والمناضلين العراقيين طيلة ثلاثة عقود قبل سقوط النظام كنت استعيد كلام هذا الصديق واتوقف طويلا هذه المرة عند حجم الفساد الذي ضرب زلزاله المؤسسة والدولة وجيوب المواطنين حتى وصل الامر ان تحول الجيب الى جيب نضالي تمثل بتشرين مثل جيب الثورة الكردية في مواجهة القتل والتدمير والسحق القومي ولم يعد العراقيون قادرين على تحمل سوء ادارة الدولة وعدم القدرة على تصريف شؤون المجتمع بفعل وجود سياسة لم يتخلص اهل السلطة فيها من كوليرا المحاصصة الطائفية والقومية والحزبية ووجود الشخص غير المناسب مضمون الولاء في المكان الخطأ وقد انفجرت الساحة العراقية بالاف المتظاهرين خلال هذه الايام في استعادة مباشرة وصريحة لحراك 2019 يوم اندلعت التظاهرات وعمت الفوضى وقد دخل العراق والعراقيون مرحلة الزلازل والانهيارات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة !.
والسؤال المنطقي:
كيف يمكن التعاطي مع ملف الذين تقاضوا اموالا هائلة واحرقوا اخرى في مدافن المليارات واخرين افادوا من الدفان الاول وجهة ثالثة استثمرت وجودها في السلطة بتوظيف المليارات لصالح حسابات ومشاريع ومصالح حزبية وفئوية مختلفة ؟.
اخشى ان يكون حراك الامس مقدمة لموجة عاتية جديدة من التظاهرات تعم العراق باكمله مالم يسارع رئيس الوزراء الى احتواء الموقف بمختلف الاساليب الديمقراطية التي تطمئن الناس واصحاب الشهادات العليا ومختلف مستويات الوظيفة الوطنية ويمنع هذا الطوفان من التدفق فالمسؤولية مسؤوليته ولا احد في المؤسسات الدينية والسياسية والمشايخ الروحية يتحمل المسؤولية غيره.
احذر من تنامي لهجة هذا الحراك واتساع جغرافيته وارتفاع مستوى خطابه اذ التطورات الامنية بعد انسحاب قوات التحالف الدولي تشي بشي من الخطورة والانزلاق في أتون منعطف حاد في الحياة السياسية العراقية خصوصا بعد هجمات داعشية استهدفت كركوك والحويجة واعتقال خلية ارهابية في حي الجهاد.
الخشية هي ان يستثمر الارهاب هذه التداعيات المطلبية لشن المزيد من الهجمات الارهابية على مؤسسات الدولة والقوات المسلحة ونحن في لحظة تاريخية توجب المزيد من اليقظة والتلاحم الوطني والقدرة على حل مشكلات الناس بدل الذهاب الى ما يزعج المطالب الشعبية بالمزيد من التعيينات غير الضرورية في هرم الدولة !.
ففي الوقت الذي يبحث فيه خريجوا المهن الصحية والمهندسون والاطباء واصحاب الشهادات العليا عن وظائف في الدولة وهي حق طبيعي لهم بعد سنوات من الدراسة والاجتهاد والارهاق والسهر والتعب يخرج علينا الاطار التنسيقي بفرض اربعة نواب لرئيس الوزراء على رئيس الوزراء في محاولة لافراغ الرئاسة من محتواها وصلاحياتها الدستورية في ادارة الدولة الى ادارة مجموعة من الاشخاص الذين لم يسبق لهم ان كانوا جزءا من القيمومة السياسية والخبرة في ادارة البلاد.
ادعو الدولة العراقية الى التعامل بحكمة مع المتغيرات السياسية والمطلبية الحالية وان لاينزل الكرباج ثانية حكما بين الدولة والمواطن بعد ان قدم “الماء الساخن” الذي رش به اصحاب الشهادات العليا في حراك 2019 درسا قاسيا في سقوط الحكومات التي تعتمد الكرباج سبيلا لحل الازمة.





