بغداد – العالم
يواجه رئيس الوزراء علي الزيدي اختباراً اقتصادياً وسياسياً مع توجه العراق نحو طلب برنامج تمويلي من صندوق النقد الدولي، في خطوة تعيد إلى الواجهة تصريحاته السابقة بشأن تجنب الاقتراض، وتطرح تساؤلات عن قدرة الحكومة على معالجة الأزمة المالية من دون اللجوء إلى مزيد من الديون، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على الإيرادات والاحتياطيات العامة.
ورصدت «العالم» أن صندوق النقد أعلن أن السلطات العراقية طلبت برنامجاً من المؤسسة الدولية، مع إبداء الاستعداد لتقديم التمويل والدعم في مجال السياسات الاقتصادية، من دون الكشف حتى الآن عن قيمة التمويل أو شروطه أو موعد إبرام الاتفاق. ويعني ذلك أن العراق دخل مسار التفاوض، لكنه لا يعني اكتمال اتفاق القرض أو بدء صرف الأموال.
وتأتي الخطوة بعد تأكيد الزيدي أمام مجلس النواب أن الحكومة كانت أمام خيارات صعبة لمواجهة الضغوط المالية، بينها الادخار الإجباري، وتأخير صرف الرواتب، والاقتراض، مشيراً إلى أن الدين العام تجاوز 208 تريليونات دينار، وأن الدولة تحتاج إلى نحو عشرة تريليونات دينار شهرياً لتغطية التزاماتها.
وفي تصريحات تابعتها «العالم»، انتقد عضو لجنة التخطيط والبرنامج الحكومي النيابية عبد الحمزة الخفاجي التوجه نحو الاقتراض، معتبراً أن القروض وفوائدها ستضيف أعباء جديدة على الاقتصاد العراقي. كما انتقد في الوقت نفسه استمرار التوسع الحكومي واستحداث وزارات ومناصب جديدة، معتبراً أن ذلك يتعارض مع الحاجة إلى ترشيد الإنفاق في ظل الأزمة المالية.
ويتزامن التحرك نحو صندوق النقد مع تعديل سعر الصرف، إذ بدأ تطبيق السعر الجديد الذي يبلغ 1500 دينار للدولار الذي يشتريه البنك المركزي من وزارة المالية، و1510 دنانير للمصارف، و1520 ديناراً للجمهور، في إجراء قالت السلطات النقدية إنه جاء نتيجة الظروف الاقتصادية والمالية وتوصيات مجلس الوزراء.
ويرى الخبير الاقتصادي علي دعدوش، في تصريحات تابعتها «العالم»، أن برنامج صندوق النقد قد يرتبط بإجراءات تتعلق بسعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، مشيراً إلى أن استمرار ارتفاع الدولار في السوق الموازية يعني بقاء ضغوط على القوة الشرائية والأسعار.
وأوضح أن رفع سعر الدولار قد يزيد الإيرادات الاسمية للخزينة لأن النفط يُباع بالدولار وتُحتسب إيراداته بالدينار، لكنه في المقابل يرفع كلفة الاستيراد وقد يزيد الضغوط التضخمية، محذراً من أن أصحاب الدخول الثابتة سيكونون من أكثر الفئات تأثراً بأي انخفاض في القوة الشرائية.
وتتضمن برامج صندوق النقد، بصورة عامة، إجراءات إصلاحية وأهدافاً مالية ونقدية قابلة للقياس، وقد تشمل ضبط العجز والإنفاق العام والاقتراض والاحتياطيات، إلى جانب إصلاحات في الإدارة المالية والإيرادات، فيما ترتبط دفعات التمويل عادة بمراجعات دورية لمدى تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، بحسب طبيعة البرنامج وأداة التمويل.
وفي مشاوراته السابقة مع العراق، أوصى الصندوق بإجراءات تتعلق بضبط فاتورة الأجور والتوظيف، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتحسين جباية الكهرباء، مع التأكيد على حماية الفئات محدودة الدخل عند تطبيق أي إصلاحات تمس الأسعار أو الدعم.
ويرى الباحث الاقتصادي نبيل العلي، في تصريحات تابعتها «العالم»، أن اللجوء إلى صندوق النقد يمثل خياراً طبيعياً للدول التي تواجه ضغوطاً مالية حادة، مشيراً إلى أن العراق عضو في المؤسسة الدولية ومن حقه طلب الدعم والتمويل. ويعتقد أن التمويل يمكن أن يساعد في دعم الاحتياطيات التي تعرضت لضغوط نتيجة تراجع الإيرادات والتوترات الإقليمية.
وسبق إعلان صندوق النقد اجتماع لوزير المالية فالح ساري مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق جهاد أزعور، بحضور محافظ البنك المركزي، تناول الضغوط المالية والسياسات النقدية والمالية، مع تأكيد استعداد المؤسسة الدولية لدعم العراق في مواجهة تداعيات الظروف الإقليمية.
وتتداول تقديرات اقتصادية إمكانية حصول العراق على تمويل يصل إلى نحو 5.4 مليارات دولار، إلا أن هذه القيمة لم تُعلن رسمياً حتى الآن، كما لم تحدد كلفة التمويل أو آجاله أو شروطه النهائية. ولذلك، فإن الحديث عن فائدة محددة أو كلفة ثابتة للقرض يبقى مبكراً إلى حين إعلان تفاصيل الاتفاق.
ويضع هذا المسار الحكومة أمام معادلة دقيقة: الحصول على تمويل يساعد في سد الفجوة المالية ودعم الاحتياطيات، مقابل احتمال الدخول في التزامات إصلاحية ومالية جديدة. وفي المقابل، فإن استمرار الاعتماد الكبير على النفط يجعل أي انخفاض في الإيرادات عرضة للانعكاس سريعاً على الموازنة.
وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن اختبار الزيدي الحقيقي لن يكون في الحصول على القرض فقط، بل في كيفية إدارة الأموال والإصلاحات المصاحبة له، وما إذا كانت الحكومة ستتمكن من استخدام التمويل كحل مؤقت لمعالجة الأزمة، أم أن العراق سيجد نفسه أمام دورة جديدة من الاقتراض من دون معالجة جذور الاختلال المالي والاعتماد المفرط على النفط.





