الممثلة عندما تخرج من سجنها وتلبس خلخالها

هيئة التحريرمنذ 47 دقيقةآخر تحديث :
الممثلة عندما تخرج من سجنها وتلبس خلخالها

كاتيا الطويل

تفرغ زينة دكاش مشاعرها وانفعالاتها المنبثقة من علاقتها الشائكة بوالدها على خشبة مسرح مونو في عرض جميل وثري. ففي ظل سيطرة المونودرامات الكثيرة في هذا الصيف وهي بمعظمها متكررة الموضوعات والأساليب، تأتي زينة دكاش وكريم شبلي بعمل جميل متقن من حيث النص والكوميديا والقضية والديكور والأداء. وبعيداً من العروض التي تتحضر خلال أسابيع أو أشهر قليلة، يظهر هذا العمل، الذي تطلب كثيراً من الوقت والجهد والعمل النفسي الداخلي، متماسكاً بعناصره البصرية والنصية المتناغمة.

يخرج هذا العرض من إطار قصة زينة دكاش الفردية ويتحول بقضيته وهمه الإنساني إلى مرآة لمعاناة الأجيال من سوء التربية، أو من قلة وعي الأهل بأثرهم على أولادهم بما يقومون به وبما يرمونه على كواهلهم من مسؤوليات وأعباء وهموم. تنتقد زينة دكاش، انطلاقاً من قصتها الشخصية وبكوميديا فولكلورية سوداء، أُسس التربية التي يقوم عليها المجتمع والقيم التي تتناقلها الأجيال، وهي ليست دائماً قيماً جيدة للفرد ولتطوره على المستوى الشخصي. وتتوقف زينة دكاش بكثير من الوعي على ما يحمله الأبناء من عقد نفسية ومشكلات حياتية نتيجة التربية البيتية التي تعود في معظم الأحيان لكون الأهل لا يعرفون أن يربوا بطريقة أخرى.

منذ العنوان والعودة الفولكلورية الذكية التي يرمي إليها عبر استعادته أغنية “زينة لبست خلخالها”، تصب زينة دكاش وكريم شبلي في الخلخال رمزية عميقة وهي رمزية تلامس صلب الموضوع مباشرة. والخلخال بالأساس في الحضارات القديمة رمز لمكانة المرأة الاجتماعية العالية، وكان يستخدم أحياناً للإشارة إلى أن الفتاة التي ترتديه متاحة للزواج. أما في الزمن الحالي فيُنظر إلى الخلخال على أنه رمز للأنوثة والجمال والتدلل. كرس الفن المعاصر الخلخال أكسسوار إغواء وجمال أنثوي من خلال لمعته ومكانه في القدم، وصوته اللافت. وتوظف زينة دكاش هذه المعاني كلها بحنكة رائعة في نصها الذي يمكن اعتباره منتمياً إلى حد كبير إلى السيرة الذاتية.

 

يتحول الخلخال الذي تحاول زينة أن ترتديه طوال العرض إلى نوع من رمز إلى عودتها إلى أنوثتها وجوهرها وشخصيتها وطموحاتها، بعيداً من عباءة الصبي التي ألبسها إياها والدها، هو الذي كان يناديها “زيون”، وهو اسم ذكوري بالمبدأ، وهو الذي كان يصفها بـ”أخت رجال” ويرمي على عاتقها همومه وهموم العائلة والعمل. تحمل زينة البطلة هموماً كثيرة تفوق قدرتها وتتعدى دورها، فهي لم تكن يوماً الابنة بل الابن، ثم تحولت إلى ولي الأمر والوريث والقائم بشؤون البيت ومشكلاته وقضاياه العالقة. أراد والد زينة أن تكون ابنته هي ابنه البكر المسؤول القوي الذي يكمل من بعده مسيرته ويصرف له أعماله، ليس لأنه لا يحبها أو لأنه أراد صبياً، بل لأنه هكذا يجيد أن يربي، هو الذي كان كلما واجهته مشكلة “يسكت ويصفن ويقول: مندرسها!”.

لم يحل والد زينة أي مشكلة في حياته ولم يواجه خصومه، حتى أزمة عام 2019 لم يواجهها وتُوفي قبلها، وذلك باعتراف زوجته وابنته. جعل الأب من زينة كل ما لا يستطيع أن يكونه وكل ما يحتاج إليه. علمها كيف تغير دواليب السيارة وكيف تغير زيت محرك السيارة وهي بعد في الـ11، ترك لها الشؤون الإدارية لممتلكاته وترك لها أعباء البيت والعائلة والحياة.

من هنا ثراء العنوان ورمزية الخلخال الذي يتحول إلى رمز للحرية والانعتاق من قيود الأب والدور الذي ألبسه لزينة. أن تنجح زينة في ارتداء خلخالها يعني أن تنجح في العودة إلى ذاتها والتحرر من والدها والانصهار في أهدافها وطموحاتها كامرأة حرة وما تحبه، بعيداً من الخطوط التي رسمها لها والدها وسجنها فيها.

لكن المسرحية ليست بأسرها قائمة على العلاقة بالأب ومحاولة التحرر من الدور الذي أناطه بزينة، فهناك الأم وهناك الأخ وهناك الموت والحداد والفقدان واكتساب القدرة النفسية على التجاوز والتحرر والانطلاق. يقوم النص على عملية حفر في اللاوعي والماضي المعاش للتحرر. يتحول العرض إلى نوع من سرد تكويني Récit d’initiation، وهو سرد يرافق البطل في مسيرته إلى التعلم عبر مروره بمراحل الحياة، ومواجهته الصدمات وفقدانه السذاجة الأولى.

 

يكتشف جمهور مسرحية “زينا لبست خلخالها” خشبة مليئة بالصناديق القديمة والملابس البالية والعلب الكثيرة الموزعة كيفما اتفق. يكتشف الجمهور زينة دكاش عالقة وسط صناديق الذكريات هذه وهي لا تعلم ماذا تفعل بها، فهي عاجزة عن رميها وعاجزة عن الاحتفاظ بها. وهنا يظهر كريم شبلي ليساعدها في عملية الفرز والتخلص مما لا ضرورة له. وهنا طبعاً، تجسد هذه الصناديق وهذه الجلبة الفوضوية روح زينة المتخبطة في الذكريات والعالقة في الماضي.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!