بغداد – العالم
مع تصاعد موجات الاحتجاج في عدد من الدول، وظهور تحركات شعبية لافتة في فرنسا ودول أوروبية وتونس، تعود إلى الواجهة في العراق أسئلة بشأن قدرة الشارع على استعادة زخمه الاحتجاجي، بالتزامن مع اقتراب ذكرى انطلاق تظاهرات تشرين، واستمرار ضغوط اقتصادية ومعيشية تشكل، وفق مراقبين، أرضية محتملة لتجدد الاحتجاج.
ورصدت «العالم» قراءات سياسية وأكاديمية ترى أن دوافع الغضب الشعبي في العراق لم تختفِ بالكامل، في ظل البطالة وتأخر الرواتب والضغوط المعيشية وتراجع الثقة بالعملية السياسية، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى عوامل أخرى قد تحد من المشاركة، بينها الخوف من القمع وعدم وضوح البديل السياسي القادر على إحداث تغيير حقيقي.
ويقول الناشط السياسي غسان الشبيب، في تصريحات تابعتها «العالم»، إن دوافع الاحتجاج في العراق ترتبط أساساً بالواقع الداخلي، ولا يمكن اختزالها بما يجري في دول أخرى، مشيراً إلى أن تراجع الثقة بالمنظومة السياسية واستمرار الأزمات المعيشية والشعور بعدم تحقق الإصلاح ما زالت عوامل مؤثرة في المزاج الشعبي.
ويرى الشبيب أن رمزية ذكرى تشرين يمكن أن تمنح أي تحرك جديد زخماً معنوياً، لافتاً إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح انتقال الشعارات والأدوات الاحتجاجية بين المجتمعات، إلا أن دوافع العراقيين، في حال عودة الاحتجاج، ستبقى مرتبطة بمطالب محلية تتصل بالخدمات والاقتصاد والإصلاح السياسي.
ويشير إلى أن الاحتجاجات السابقة تركت أثراً عميقاً في الوعي السياسي العراقي، لكنها في المقابل خلفت مخاوف لدى شرائح واسعة من المجتمع، نتيجة ما رافقها من ضحايا وإصابات واعتقالات وتهديدات، وهو ما جعل كثيراً من المواطنين، ولا سيما أصحاب العوائل والموظفين، أكثر حذراً من المشاركة في تحركات جديدة.
ولا يقتصر الجدل، بحسب الشبيب، على أداء الحكومات أو القوى السياسية، إذ امتد لدى بعض المحتجين إلى طبيعة النظام السياسي وآليات إدارة الدولة، مع طرح مطالب تتعلق بإعادة النظر في بعض جوانب النظام الدستوري والمؤسساتي وتعزيز المساءلة والعدالة.
ويرى أن أحد أبرز التحديات أمام أي حراك جديد يتمثل في عدم اقتناع قطاعات من المواطنين بوجود بديل سياسي قادر على ترجمة الاحتجاج إلى تغيير ملموس، الأمر الذي قد يدفع البعض إلى الاكتفاء بالتذمر أو الابتعاد عن الشارع.
وفي المقابل، يحذر من أن استمرار الضغوط المعيشية وتراكم الشعور بانسداد الأفق قد يؤدي إلى تغير هذا الموقف، عندما يشعر المواطن بأن كلفة الصمت أصبحت أكبر من مخاطر المشاركة.
من جانبه، يرى الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي أن احتمال انتقال تأثير موجات الاحتجاج الخارجية إلى بغداد يبقى مرتبطاً بالظروف العراقية نفسها، مشيراً إلى أن البطالة، وتأخر الرواتب، والضغوط المالية، واستمرار الخلافات السياسية، كلها عوامل يمكن أن تزيد مستوى التوتر الاجتماعي.
وفي تصريحات تابعتها «العالم»، يربط التميمي بين الأزمة الاقتصادية وسوء إدارة الموارد من جهة، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والخريجين من جهة أخرى، معتبراً أن استمرار هذه الملفات من دون معالجات هيكلية قد يعيد إنتاج الظروف التي سبقت احتجاجات تشرين.
ويحذر من أن تجاهل المطالب المعيشية للفئات الأكثر تضرراً قد يحول الاحتقان المتراكم إلى تحركات أوسع، داعياً إلى إصلاحات اقتصادية ومالية تتجاوز الإجراءات المؤقتة، وتتعامل مع جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات المرحلية.
وتبقى قدرة أي حراك محتمل على الحفاظ على استقلاليته أحد أبرز الأسئلة المطروحة، في ظل مخاوف من محاولة قوى سياسية مختلفة توظيف الاحتجاجات أو توجيهها لخدمة حساباتها.
وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن تجربة تشرين ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية والاجتماعية العراقية، بوصفها واحدة من أبرز موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد بعد عام 2003، إلا أن استعادة ذلك المشهد لا تبدو أمراً تلقائياً، إذ تتداخل عوامل اقتصادية وسياسية وأمنية ونفسية تحدد استعداد الشارع للعودة إلى ساحات الاحتجاج.





