طريق الأربع سنوات للخروج من الاعتماد النفطي
19-شباط-2026


تواجه الدولة العراقية معضلة بنيوية مزمنة تتمثل في الاعتماد المفرط على إيرادات النفط مقابل ضعف واضح في الموارد غير النفطية، وهي معضلة لا يمكن معالجتها بالوصفات السهلة التي تلجأ إلى جيب المواطن عبر الضرائب والرسوم ورفع كلفة الخدمات، لأن هذا المسار لا يعالج أصل المشكلة بل يفاقمها اجتماعيًا واقتصاديًا، كما أنه يتعارض مع منطق الدولة الحضارية الحديثة التي تقوم على تعظيم كفاءة الموارد قبل تعظيم الجباية، وعلى تحويل الهدر إلى إنتاج قبل التفكير في تحميل المجتمع أعباء إضافية.
وقد تبين من خلال استشارات مكثفة، إن الطريق الواقعي خلال السنوات الأربع المقبلة لا يمر عبر زيادة الضغط المالي على المواطنين، بل عبر إعادة بناء منظومة الإيراد على ثلاثة محاور متكاملة: سدّ التسرب، وتفعيل الأصول المعطلة، وتحويل جزء من الريع النفطي إلى قدرة إنتاجية مستدامة، وهي محاور قادرة إذا أُديرت بجدية على إحداث نقلة ملموسة في بنية الموارد العامة.
أول هذه المحاور هو سدّ التسرب المالي في المنافذ والجباية العامة، حيث تشير الخبرة العملية إلى أن جزءًا مهمًا من ضعف الإيرادات غير النفطية لا يعود إلى انخفاض النشاط الاقتصادي بقدر ما يعود إلى ضعف التحصيل ووجود مساحات واسعة من التلاعب والتهريب والتقييم غير الدقيق للبضائع، ولذلك فإن أتمتة المنافذ الكمركية، وتوحيد التعرفة فعليًا، وربط المنافذ بالهيئات الضريبية والرقابية إلكترونيًا، وتشكيل قوة اقتصادية مشتركة لمكافحة التهريب، كلها إجراءات يمكن أن ترفع الإيرادات خلال فترة قصيرة دون فرض دينار واحد إضافي على المواطن، لأن الدولة في هذه الحالة لا ترفع الرسوم بل تستوفي ما هو قائم أصلًا ويضيع في الطريق.
المحور الثاني يتمثل في تعظيم العائد من أصول الدولة المعطلة، إذ تمتلك الدولة العراقية رصيدًا واسعًا من الأراضي والمباني والمنشآت والشركات العامة التي تحولت بمرور الزمن إلى أعباء صامتة بدل أن تكون مصادر دخل، وهنا تكمن فرصة كبيرة لتحويل هذه الأصول إلى مورد مستدام عبر عقود تشغيل واستثمار طويلة الأمد تقوم على مبدأ التأجير والتشغيل لا البيع السياسي السريع، مع إنشاء وحدة مركزية محترفة لإدارة أملاك الدولة بعقلية اقتصادية شفافة، لأن كل أصل معطل هو في الحقيقة إيراد مفقود يمكن استعادته دون المساس بالمواطن.
أما المحور الثالث فهو تحويل جزء من الريع النفطي إلى رافعة إنتاجية داخل الاقتصاد الوطني، فالمشكلة ليست في وجود النفط بل في بقائه المصدر شبه الوحيد، ومن ثم فإن إنشاء صندوق تمويل إنتاجي سيادي يوجه جزءًا من الفوائض النفطية نحو مشاريع مدرّة للدخل في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والبتروكيمياويات والطاقة والخدمات اللوجستية يمكن أن يخلق خلال أربع سنوات مصادر إيراد جديدة، شريطة أن تقوم هذه المشاريع على عقود أداء واضحة ومحاسبة صارمة، وأن تُدار بشراكات استثمارية ذكية لا تثقل كاهل الموازنة العامة.
وفي هذا السياق تبرز أربعة قطاعات غير نفطية تمتلك قابلية واقعية لتحقيق أثر ملموس خلال المدى المتوسط، أولها قطاع الزراعة والصناعات الغذائية الذي يستطيع بسرعة نسبية تقليل فاتورة الاستيراد وخلق قيمة مضافة محلية إذا جرى التركيز على سلاسل القيمة الكاملة من الإنتاج إلى الخزن والتعبئة والتسويق، وثانيها قطاع الغاز والطاقة من خلال تسريع برامج التقاط الغاز المصاحب لتقليل الاستيراد وتحويل الهدر إلى طاقة منتجة، وثالثها قطاع البتروكيمياويات والأسمدة الذي يحول الموارد الهيدروكربونية إلى صادرات أعلى قيمة، ورابعها قطاع النقل والخدمات اللوجستية الذي يستثمر الموقع الجغرافي للعراق كممر تجاري إقليمي بدل بقائه ميزة معطلة.

Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech