الحقيقة الكامنة والثابتة والراسخة .. ان الازياء لم تعد مجرد أقمشة والوان وتفاصيل جمالية ترتدى وتلبس وتعرض أمام الجمهور ، بل هي لغة عالمية متكاملة لها مفرداتها الخاصة التي تعد بمثابة الحروف من خلالها تتحدث بها وتحمل بين طياتها رسائل مختلفة تاريخية وثقافية وانسانية عميقة ..
هي لغة ليست بحاجة الى صوت لتسمع ، ولا الى كلمات منطوقة لتفهم، كونها تخاطب العقل والوجدان وقبلهما العين في آن واحد ، لتسير في طريقها بنجاح من خلال بناء ومد جسور التواصل بين الحضارات والشعوب مهما اختلفت وتعددت الثقافات واللغات .
وهذا مانراه واضحا في الأعمال الفنية وخاصة الدرامية منها المرئية والمسموعة سواء على خشبة المسرح او السينما او التلفزيون ، حيث يشكل الزي احد أهم العناصر المهمة لنجاح العمل الفني .
فالازياء هنا ليست مجرد مكمل بصري للصورة ، بل هي شريك اساسي وعنصر مهم يشترك مع عناصر العمل الفني الاخرى في رسم ملامح الشخصيات المختلفة والمتعددة وتحديد زمانها ومكانها وهويتها وبيئتها الاجتماعية والثقافية ، لتجعل من هذه الحتوتة او الحكاية او القصة اكثر مقدرة على التأثير والاقناع ، من خلال دلالاتها ورمزيتها التي تحملها والتي تساهم في صناعة المعنى والجمال ..
من هذا الإدراك المهم الراقي لدور الزي بوصفه لغة حضارية وثقافية أنطلقت (الدار العراقية للأزياء ) منذ مايقارب نصف قرن واكثر ببعض السنيين ، لتؤدي دورها الرئيسي والاستثنائي الذي اضطلعت به من خلال تعريفها بتاريخ العراق وحضارته ، فقد استطاعت هذه الأيقونة المؤسساتية الثقافية والفنية من تحويل الازياء الى رسالة تنقل صورا حية عن الإرث الحضاري العريق لبلاد الرافدين ، مستحضرة تاريخ أعظم الحضارات في بقاع الأرض عبر تصاميم مبهرة تنبض بالاصالة والابداع وتصوير ونقل امجاد هذه الارض ، فمنذ ولوجها عالم الثقافة والفنون لم تكن الدار العراقية للأزياء وعروضها مجرد استعراض ، بل هي لوحات فنية متكاملة تتناغم فيها الخيوط الحريرية والموسيقى والشعر والحركة لتشكل مشهدا بصريا يجذب المتلقي والمتذوق ويبحر به في رحلة عبر الزمن، يستكشف خلالها عظمة وثراء تاريخ بلاد مابين النهرين .
شارك في إنجاز هذا المشهد مجموعة من الفنانين من مصمين وعارضات وعارضي الازياء وفنيين تحت مسميات خياطين وطرازين على أعلى المستويات ، والموظفين الذين أبدعوا في تعاملهم مع عملهم وطبيعته، بوصفه رسالة فنية ثقافية قبل ان يكون وظيفة تؤدى فقط .. وهذا انعكس بصورة مباشرة على جودة ونوعية الاعمال التي تقدم لتغدو الدار خير سفير ثقافي يمثل العراق في المحافل الدولية الثقافية والفنية ، لما يعكسه فنها الراقي القادر على تشكيل حضور مهم ومميز أينما حلوا وارتحلوا .
هنا تكمن أهمية دعم هذه الدار العريقة والاهتمام بها ، لأهميتها في حفظ جانبا مهما من الارث الحضاري الثقافي والهوية التاريخية لتقديمها للأجيال والعالم اجمع بأسلوب فني معاصر يحاكي الواقع ، فالاهتمام بها لايعني فقط نجاحها مؤسسيا بل هو أستمرار لمقدرة الفن على رواية قصة حضارة كانت ومازالت وستبقى منبعا للمعرفة والابداع حول العالم ..
وتستمر لغة الأزياء على أنها لغة الحضارة عندما ترتدي ثوب الفن ، ولغة العراق حينما يروي تاريخه بخيوط الحرير والوان الابداع والتميز ..