محمد غندور
لم يسأل أحد في تلك اللحظة عن الحقيقة، ولا عمّا فعله الرجلان فعلاً، فقد كانا بندين في صفقة بين قوتين، وعادا بعد أن دفع كل منهما ما لم يكن يملك قرار دفعه.
لكن الجاسوس ليس اختراعاً سينمائياً، فمنذ عرفت الجماعات البشرية معنى الخصم، عرفت الحاجة إلى العين التي تُرسل إلى الجهة الأخرى خلسة، فقد خصص صن تزو في “فن الحرب” فصلاً للجواسيس، وعدّ كوتيليا في “أرثاشاسترا” شبكة العيون جزءاً من تدبير الحكم، ويروي سفر العدد أن موسى أرسل رجالاً لاستطلاع أرض كنعان، وفي العصر العباسي أدى البريد وظائف تتجاوز نقل الرسائل، إذ كان قناة لجمع الأخبار عن الولايات وأحوال الناس.
الجاسوس في السينما لا يدخل الغرفة من الباب نفسه الذي يدخل منه الآخرون. يصل باسم غير اسمه، يعرف شيئاً لا يعرفه سواه، وقد يغادر قبل أن يفهم من حوله لماذا كان هناك أصلاً.
أحياناً يكون قاتلاً محترفاً، وأحياناً موظفاً عادياً اكتشف أن المؤسسة التي يعمل فيها تخفي أكثر مما تقول، وبين الاثنين صنعت السينما عالماً كاملاً من الوجوه المزدوجة، والولاءات المتبدلة، والأسرار التي قد تكون أثمن من حياة صاحبها.
ومع الحربين العالميتين ثم الحرب الباردة، اتسعت المؤسسات الاستخباراتية وانتظم عملها وتخصصت أجهزتها، وصارت الجاسوسية جزءاً من بنية الدولة الحديثة، بعد أن كانت ممارسة سرية محدودة.
من هنا وجدت السينما مادة لا تنضب. لم تكن مهتمة فقط بما يفعله الجاسوس، بل بالسؤال الأصعب: من يكون هذا الرجل حين لا يعود قادراً على معرفة أي من وجوهه هو الحقيقي؟
هذه ليست قائمة بأفضل أفلام التجسس، بل محاولة لتتبع صورة الجاسوس كما تغيرت على الشاشة خلال أكثر من نصف قرن. من جيمس بوند الذي جعل الخطر لعبة، إلى رجل جون لو كاريه الذي اكتشف أن اللعبة لا تنتهي عندما يعود لمكتبه، ومن مراقبة الآخرين إلى فقدان الذات، ثم إلى السؤال الأشد قسوة: من يراقب من؟
في العمل الذي أخرجه البريطاني تيرينس يونغ، يعرف الجاسوس اسمه تماماً. جيمس بوند يملك اسمه وجسده ومهمته، ويعرف أن العنف جزء من المهنة، وأن الدولة ستقف خلفه ما دام ينجح.
صاغ يونغ، الذي قدم قبله بعام واحد أول أفلام السلسلة Dr. No (1962)، وعاد لها في Thunderball (1965) ، مفردات بوند الأولى: الأناقة المحسوبة، والمطاردات المضبوطة، والسخرية الجافة.
ومع ذلك فالفيلم أقرب إلى عالم الحرب الباردة الفعلي مما توحي به صورة بوند (شون كونري) اللاحقة. تدور الحبكة حول آلة فك الشفرات السوفياتية “ليكتور” في إسطنبول، المدينة التي كانت ملتقى الأجهزة المتخاصمة، وحول فخ تنصبه منظمة “سبكتر” لبوند انتقاماً لمقتل الدكتور نو.
وتتولى تنفيذ الفخ روزا كليب، ضابطة سميرش السابقة، فتخدع موظفة الشفرة في القنصلية السوفياتية تاتيانا رومانوفا، وتوهمها بأنها لا تزال تعمل لحساب الاستخبارات السوفياتية. تبدو الشفرات واللقاءات السرية والهويات المزدوجة جزءاً من العمل اليومي، قبل أن تتحول السلسلة تدريجاً إلى استعراضات لا تُنفذ إلا في السينما.
والسيدتان الأبرز في الفيلم تقعان في قلب المهمة. تاتيانا رومانوفا (دانييلا بيانكي) تُدفع إلى إغواء بوند، وهي تظن أنها تخدم بلادها، فتكون طعماً يُدار من وراء ظهرها. وروزا كليب (لوته لينيا) تحرك الخيوط من الجهة المقابلة، وفي المشهد الأخير تطلق تاتيانا النار عليها لتنقذ بوند.
يخرج بوند من الفيلم بالمرأة التي أنقذته وبالآلة التي أرادها الجميع، ولا يبدو أنه خسر شيئاً يذكر. كان ذلك ممكناً لأن الجاسوس في هذه الصورة يتقاضى أجره مقدماً من دولة تحميه، ما دام ينجح، وهو ما سيتغير في الفيلم التالي.
في هذا العمل المقتبس من رواية جون لو كاريه التي صدرت عام 1963، وهو العام نفسه الذي عُرض فيه فيلم بوند الثاني، لا يبدو الجاسوس رجلاً استثنائياً بقدر ما يبدو رجلاً أنهكته المهنة ليماس، الذي يؤدي دوره ريتشارد بيرتون (ترشح عن الدور لجائزة أوسكار)، ليس بطلاً بالمعنى التقليدي.





