عبده وازن
يبدو اكتشاف كتاب “الشبهات” للحارث بن أسد المحاسبي (توفي عام 857) أشبه باللقيا التي وقع عليها الدكتور بلال الأرفه لي في 2009، كانت مخطوطة الكتاب ترقد في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، التي ورثت مكتبة الجمعية السورية في أواخر القرن الـ19، وكانت هذه المخطوطة ضمن محتوياتها.
وسارع الأرفه لي إلى مراسلة الباحث والمستشرق الكبير جوزف فان أس قبل رحيله عام 2021، وهو المتخصص المعروف بالمحاسبي، لمناقشة محتواها ونسبتها. أما حكاية كتاب “الشبهات” فتبدأ عام 1856، عندما كتب المستشرق النمسوي ألويس شبرنجر عن مخطوطة قديمة رآها في مكتبة الجمعية السورية في بيروت. كانت المخطوطة تحتوي على حوار بين شيخ وتلميذه، يسأل التلميذ ويجيب الشيخ، وقد لاحظ شبرنجر أن الشيخ توفي عام 857، فخمن أنه الحارث المحاسبي، أحد أشهر زهاد بغداد، واعتبر أن هذه المخطوطة قد تكون أقدم نص صوفي وصل إلى المكتبة. ثم ما لبث أن تم نسيان الأمر، ولكن وحين وضع فؤاد سزكين قائمته الكبرى بالتراث العربي في القرن الـ20 سجل الكتاب في عداد المفقودات.
وعندما وجد الأرفه لي المخطوطة تأكد أنها النسخة نفسها التي وصفها شبرنجر قبل قرن ونيف، وفي السنة نفسها التقى الأرفه لي بالباحث والمفكر الدكتور رضوان السيد، واتفقا على العمل معاً بغية تحقيق المخطوطة ودراستها والكتابة عنها ونشرها في كتاب.
استغرق العمل المشترك 16 عاماً من اللقاءات الأسبوعية، سافر فيها الكتاب معهما، كما يقولان في مقدمتهما، “من مدينة إلى أخرى، يحضر في حقائبنا وأوراقنا وأحاديثنا”. والمخطوطة نسخة وحيدة في العالم، كتبت بخط مغربي عام 1093، أي بعد وفاة المؤلف بأكثر من قرنين، وقوبلت على أصلها في الإسكندرية. وقد أكل الزمن عشرات الكلمات منها، فاستعان المحققان بكتب الحديث والزهد التي تروي القصص نفسها لاستعادة ما أمكن استعادته، وتركا ما تعذر فارغاً بين قوسين بدل أن يخترعا كلاماً لم يقله المؤلف.
من هو المحاسبي؟ ولد في البصرة قرب عام 780 وانتقل مع أسرته إلى بغداد، وعاش فيها أيام هارون الرشيد والمأمون والمتوكل. لقب بالمحاسبي لأنه كان يحاسب نفسه على كل خاطرة ترد في ذهنه، وكذلك على كل لقمة. لم يكن المحاسبي صوفياً بالمعنى الذي نعرفه اليوم، كان زاهداً وعالماً بالحديث والفقه، وكان تلاميذه، وعلى رأسهم الجنيد، هم الذين حولوا تعاليمه إلى ما صار يسمى التصوف، وقد قرأه الغزالي بعد قرنين ونقل عنه كثيراً في إحياء علوم الدين.
أما “الشبهات” فهي كلمة من الحديث النبوي: الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات. يقف المحاسبي عند هذه المنطقة الرمادية ويعتبرها أخطر ما في حياة المؤمن، لأن الإنسان لا يسقط في الحرام مباشرة، بل ينزلق إليه من المشتبه. ومن هنا يمضي يمضي الكتاب في أسئلة عملية يطرحها التلميذ أحمد بن عاصم الأنطاكي: هل آخذ عطاء الحاكم؟ هل أرث مالاً لا أعرف من أين جاء؟ لمن أدفع زكاتي؟ هل أعمل في التجارة أم في الزراعة؟ هل أشتري أرضاً في الثغور؟ هل أتزوج من قريبتي إذا كان في ميراثها شبهة؟ وهي أسئلة تكشف عن أن الكتاب ليس رسالة في التأمل الروحي فحسب، بل صورة حية لحياة الناس في بغداد في القرن التاسع، بأسواقها وأراضيها وجندها وأمرائها.
يفاجأ قارئ الكتاب اليوم بحدة المحاسبي في موقفه من السلطة. فهو يرى أن أموال الحكام الأثرياء كلها مشبوهة أو حرام، وأن هداياهم لا تقبل، وأن على من يريد سلامة دينه أن يبتعد من الدولة وممن يعمل معها. ويلمح إلى الحرب التي دارت بين الأمين والمأمون على الخلافة، وإلى ما فعله الجند بأهل بغداد في تلك السنوات. ويقول بمرارة “خلفاؤنا اليوم قد أعضل أمرهم”، لكنه في الوقت نفسه يرفض الخروج على الحاكم ويعتبره فتنة. فهو غاضب، لكنه ليس ثائراً. وهذا التوازن بين الرفض الأخلاقي والقبول السياسي هو موقف أهل الحديث في عصره، وسيبقى موقف أهل السنة قروناً بعده.
الدراسة التي قدم بها المحققان الكتاب هي كتاب في كتاب، بحث عميق وشامل، يتتبع حياة المحاسبي في ست مراحل، من شبابه في البصرة إلى سنواته الأخيرة في العزلة، ويشرح لماذا يعد كتاب “الشبهات” من أول ما أملاه المحاسبي، ولماذا ينسب إليه لا إلى تلميذه، على رغم أن اسم التلميذ هو الذي يتصدر المخطوطة. والحجة بسيطة ومقنعة: طريقة السؤال والجواب هي طريقة المحاسبي في كل كتبه، والباب الأول في الكتاب، وهو باب العقل، يحمل تعريفه الشهير للعقل بأنه غريزة، وعشرات الأفكار الواردة فيه نجدها بحرفها تقريباً في كتبه الأخرى.
هل الكتاب سهل القراءة؟ ليس دائماً. فيه تكرار كثير، وتقسيمه إلى أبواب وأجزاء غير منتظم، والمحققان يعترفان بذلك ولا يخفيانه. لكن هذا الاضطراب نفسه له قيمته: نحن أمام إملاءات شيخ على تلميذه، لا أمام كتاب مؤلف بعناية، ولذلك نسمع فيه صوت الرجل قبل أن يهذبه التلاميذ والنساخ. ويختم الكتاب بفهارس للآيات والأحاديث والأعلام والأماكن، تجعله سهل الاستعمال لمن يريد أن يعود له.
كان المحاسبي معروفاً عبر كتبه المتأخرة، حين صار شيخاً مهيباً يقرأ في المساجد. أما هنا فهو شاب في بغداد، شديد الورع، غاضب على الحكام، يجيب عن أسئلة تلميذه بثقة من قرأ كثيراً وسمع أكثر. وقلما يتاح للقراء والباحثين في تراث بهذا القدم أن يسمعوا صوت مؤلف قبل أن يصير إماماً.
أما عناوين فصول الكتاب بعد صدوره فتتوزع بين: الرجل والعصر وأجواء البصرة وبغداد، كتابات التأسيس: مرحلة بغداد ومرحلة مجالس المسجد، المرحلة الثالثة: مجلس الذكر، المرحلة الرابعة: التفتح والازدهار، المرحلة الخامسة: الحقبة الكلامية، المرحلة السادسة: سنوات النفي والانكفاء والخفوت، شيوخه وتلامذته، الآثار والتأثير.





