بعشيقة تعود إلى بغداد.. تركيا تنهي تمركزاً عسكرياً استمر أكثر من عقد

هيئة التحريرمنذ 21 دقيقةآخر تحديث :
بعشيقة تعود إلى بغداد.. تركيا تنهي تمركزاً عسكرياً استمر أكثر من عقد

بغداد – العالم

بعد نحو أحد عشر عاماً على وجود القوات التركية في معسكر بعشيقة ـ زليكان شمال شرقي الموصل، بدأت القاعدة تدخل مرحلة جديدة مع إعلان أنقرة تسليمها تدريجياً إلى الحكومة الاتحادية العراقية، في خطوة تعيد ملف السيادة والقرار الأمني في نينوى إلى الواجهة، وتفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول مستقبل الترتيبات الأمنية في المحافظة والمناطق المحيطة بها.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية في الأول من تشرين الأول الجاري قرار تسليم قاعدة بعشيقة ـ زليكان إلى السلطات العراقية بصورة تدريجية، وفق الآلية والجدول الزمني المتفق عليهما بين بغداد وأنقرة، مشيرة إلى أن القرار يأتي في ضوء التقدم الذي أحرزته الحكومة العراقية في تطبيق الإجراءات الأمنية بمنطقة سنجار.

وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن الخطوة جاءت في سياق تفاهمات عراقية ـ تركية أُعلن عنها في أيلول الماضي، عقب لقاء رئيس الوزراء علي فالح الزيدي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نيويورك، حيث اتفق الجانبان على تعميق التعاون الأمني، وبسط سلطة الدولة العراقية في سنجار، وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة، إلى جانب نقل السيطرة على معسكر بعشيقة إلى الحكومة الاتحادية.

وتعود بداية الوجود العسكري التركي في بعشيقة إلى عام 2015، عندما أنشأت أنقرة قاعدة في المنطقة خلال الحرب ضد تنظيم داعش، وقالت في حينها إن قواتها جاءت للمشاركة في تدريب القوات العراقية والمحلية ودعم جهود مكافحة التنظيم. ومنذ ذلك الحين، تحول المعسكر إلى أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين بغداد وأنقرة، بسبب استمرار الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية.

وكانت الحكومات العراقية المتعاقبة قد طالبت في مراحل مختلفة بإنهاء الوجود العسكري التركي، فيما ربطت أنقرة وجود قواتها في شمال العراق بمواجهة التهديدات الأمنية، ولا سيما نشاط حزب العمال الكردستاني، إلى جانب مشاركتها في مواجهة تنظيم داعش خلال السنوات الأولى للحرب عليه.

وتأتي الخطوة الحالية في ظروف مختلفة عن تلك التي رافقت إنشاء القاعدة. فتنظيم داعش لم يعد يسيطر على المدن العراقية كما كان الحال عام 2014، فيما أصبحت القوات العراقية تتولى بصورة أوسع مسؤولية الملف الأمني، بالتزامن مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد التنظيم في العراق.

وتكتسب عملية تسليم بعشيقة أهمية إضافية لكونها تتم، وفق الإعلان العراقي والتركي، لصالح الحكومة الاتحادية، وليس إلى جهة محلية أو تشكيل أمني خارج مؤسسات الدولة. وكان رئيس هيئة الإعلام الأمني الفريق سعد معن قد وصف الاتفاق في أيلول بأنه خطوة استراتيجية لتعزيز حضور الدولة وسيادتها، مؤكداً أن إدارة الأراضي والمنشآت العسكرية والأمنية من اختصاص المؤسسات الرسمية.

ويرى باحثون أن أهمية الخطوة لا تتوقف عند الجانب العسكري، بل تمتد إلى طبيعة التوازنات السياسية والأمنية في نينوى، وهي محافظة تتداخل فيها مصالح بغداد وأربيل وأنقرة، فضلاً عن خصوصية المناطق المتنازع عليها وحساسية سنجار.

وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن التفاهم العراقي ـ التركي بشأن بعشيقة يرتبط بصورة مباشرة بالوضع الأمني في سنجار، إذ أكدت أنقرة أن تسليم القاعدة جاء بالتزامن مع التقدم الذي أحرزته الحكومة العراقية في تطبيق الإجراءات الأمنية هناك. كما أعلنت تركيا استمرار دعم القوات المسلحة العراقية ضمن الاتفاقيات الثنائية، بما يشمل تعزيز القدرات العسكرية والتدريب وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب والتعاون في الصناعات الدفاعية.

وتشكل سنجار أحد أبرز الملفات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة في نينوى. فالمنطقة شهدت خلال السنوات الماضية تعدد القوى والتشكيلات المسلحة، فيما تعمل بغداد على تعزيز حضور المؤسسات الرسمية وإعادة تنظيم الملف الأمني.

ومن هذا المنطلق، فإن انتقال السيطرة على بعشيقة لا يمكن فصله عن مسار أوسع لإعادة تنظيم الوجود الأمني في المحافظة، خصوصاً مع انسحاب القوات الأميركية وانتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، الأمر الذي يضع القوات العراقية أمام مسؤولية أكبر في إدارة الملف الأمني.

ولا يعني تسليم القاعدة، في المقابل، انتهاء التعاون الأمني بين العراق وتركيا. فقد أكدت وزارة الدفاع التركية أن أنقرة ستواصل دعم القوات المسلحة العراقية ضمن الاتفاقيات الثنائية، وأن الاتصالات المقبلة تستهدف الارتقاء بالتعاون العسكري والأمني بين البلدين إلى مستويات أعلى.

ومن المتوقع أن يستمر تنفيذ عملية التسليم بصورة تدريجية، على أن تنتقل إدارة القاعدة إلى الجانب العراقي وفق الآلية المتفق عليها. وتفيد تقارير بأن الانسحاب من بعشيقة وموقع عسكري تركي أصغر قرب الموصل يمكن أن يكتمل قبل نهاية العام الجاري، في وقت تستمر فيه المحادثات بين بغداد وأنقرة بشأن الملفات الأمنية الأوسع.

وفي السياق ذاته، فإن عودة القاعدة إلى إدارة الحكومة الاتحادية قد تحمل أبعاداً تتجاوز المنشأة العسكرية نفسها، لتتصل بمفهوم إدارة الدولة للأراضي والمنشآت الأمنية، وبطبيعة العلاقة المستقبلية بين بغداد وأنقرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل !!