بغداد – العالم
دخل ملف الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني مرحلة جديدة بعد إعلان الحزب سحب جميع مقاتليه من الأراضي التركية، في خطوة تأتي ضمن مسار سياسي بدأ قبل نحو عامين بهدف إنهاء مواجهة مسلحة استمرت أكثر من أربعة عقود. وبينما يقدم الحزب الانسحاب باعتباره خطوة لإنجاح عملية السلام وإزالة إحدى العقبات أمامها، تثير وجهة انتقال المقاتلين إلى إقليم كردستان العراق أسئلة واسعة بشأن التداعيات الأمنية والسياسية التي يمكن أن يتحملها العراق خلال المرحلة المقبلة.
حيث ان تطورات الملف، حيث أُعلن في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر الحالي اكتمال انسحاب مقاتلي الحزب من الأراضي التركية، بعد أن بدأت عملية الانسحاب تدريجياً خلال العام الماضي باتجاه إقليم كردستان. ويأتي ذلك بعد إعلان الحزب حل نفسه والتخلي عن العمل المسلح في أيار/مايو 2025، استجابة لدعوة زعيمه التاريخي عبد الله أوجلان، فضلاً عن إقرار البرلمان التركي في آب/أغسطس 2026 مشروع قانون يتعلق بإعادة دمج المقاتلين في الحياة المدنية.
لكن انتقال جانب من المقاتلين إلى الأراضي العراقية يفتح ملفاً مختلفاً، إذ لم يعد مستقبل الصراع شأناً تركياً داخلياً فقط، وإنما بات مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن العراق وسيادته وعلاقاته مع كل من تركيا وإقليم كردستان.
ويرى الخبير الأمني سيف رعد طالب، بحسب تصريحات تابعتها «العالم»، أن انتقال أعداد من مقاتلي الحزب إلى إقليم كردستان قد يؤدي إلى نقل جانب من الأزمة التركية إلى الداخل العراقي، محذراً من احتمال تحول مناطق وجود الحزب إلى ساحات جديدة للتوتر والعمليات العسكرية. ويشير إلى أن زيادة أعداد المقاتلين يمكن أن ترفع احتمالات الاحتكاك مع قوات البيشمركة، فضلاً عن إمكانية تأثر بعض المناطق والقرى المحلية بالعمليات العسكرية أو التوترات الأمنية.
وتبرز هنا إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة لبغداد وأربيل، وهي استمرار العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي العراقية. فوجود مقاتلين من الحزب في شمال العراق يمثل بالنسبة لأنقرة أحد المبررات الرئيسية لمواصلة ملاحقة عناصره، ما يعني أن نجاح عملية السلام داخل تركيا لا يؤدي بالضرورة، وبشكل تلقائي، إلى إنهاء النشاط العسكري التركي داخل العراق.
ورصدت «العالم» في مسار الأحداث أن الوجود التركي في شمال العراق يرتبط منذ سنوات بملف حزب العمال الكردستاني، إلى جانب اعتبارات أمنية واقتصادية واستراتيجية أخرى. ومن ثم فإن أي تحول في وضع الحزب يمكن أن يعيد فتح النقاش بشأن طبيعة هذا الوجود، وحدوده، ومدى استمرار المبررات التي تستند إليها أنقرة في عملياتها داخل الأراضي العراقية.
وفي المقابل، لا تبدو عملية السلام التركية الكردية قد وصلت إلى نهايتها بصورة مكتملة. فهناك ملفات لا تزال بحاجة إلى تفاهمات سياسية وقانونية، من بينها آليات تسليم السلاح، ووضع القيادات والمقاتلين، وإجراءات العفو وإعادة الدمج، فضلاً عن القضايا المتعلقة بالحقوق السياسية والدستورية للأكراد. ولذلك فإن إعلان الانسحاب يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات نجاح التسوية النهائية.
ويشير المحلل السياسي علي الحبيب، في حديث تابعته «العالم»، إلى أن الانسحاب يمكن قراءته باعتباره محاولة من الحزب لنقل الكرة إلى الملعب التركي، بعد إزالة الوجود العسكري داخل تركيا، وبالتالي اختبار مدى استعداد أنقرة للانتقال من مرحلة الإجراءات الأمنية إلى مرحلة الضمانات السياسية والقانونية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للعراق، لأن استمرار الخلافات بين أنقرة والحزب قد يعني بقاء الملف مفتوحاً على الأراضي العراقية. أما إذا نجحت عملية السلام التركية في الوصول إلى تفاهمات مستقرة، فقد تتغير المعادلة الأمنية تدريجياً، وتظهر فرصة لإعادة بحث الوجود العسكري التركي داخل العراق ضمن ترتيبات أكثر وضوحاً بين بغداد وأنقرة.
وفي الجانب العراقي، تبدو مسؤولية بغداد وأربيل أكثر تعقيداً، إذ إن وجود تشكيل مسلح خارج إطار الدولة في مناطق الإقليم يضع الحكومتين أمام تحدي فرض السيطرة القانونية والأمنية، ومنع تحول الأراضي العراقية إلى نقطة تجمع أو انطلاق لصراع إقليمي جديد.
كما أن استمرار التوتر في تلك المناطق لا يقتصر أثره على الجانب الأمني، بل يمكن أن يمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والطاقة وحركة التجارة، ولا سيما أن شمال العراق يرتبط بمشاريع استراتيجية وخطوط نقل وطاقة ذات أهمية للعراق وتركيا والمنطقة.
وبحسب ما رصدته «العالم»، فإن المرحلة المقبلة ستتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الأطراف المعنية على تحويل الانسحاب من خطوة عسكرية إلى تسوية سياسية مستقرة. فبالنسبة لتركيا، يبقى التحدي في تقديم مسار سياسي قادر على تثبيت السلام، بينما تواجه قيادة حزب العمال الكردستاني اختباراً يتعلق بمدى التزام جميع أجنحتها بالتخلي عن السلاح. أما بغداد وأربيل، فتواجهان استحقاق حماية الأراضي العراقية من أن تصبح ساحة بديلة للصراع.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مقاربة عراقية واضحة تقوم على حماية السيادة ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات الآخرين، بالتوازي مع الحوار مع تركيا وإقليم كردستان بشأن الترتيبات الأمنية والحدود ومصير المقاتلين.
وهكذا، فإن انسحاب حزب العمال الكردستاني من تركيا لا يمثل نهاية القصة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً بالنسبة للعراق. فنجاح السلام داخل تركيا يمكن أن يخفف أحد مصادر التوتر الإقليمي، لكنه في المقابل قد يترك بغداد أمام مهمة منع انتقال تداعيات الصراع إلى أراضيها. وبين احتمال أن يكون الانسحاب خطوة حقيقية نحو إنهاء عقود من الحرب، واحتمال أن يتحول إلى مجرد إعادة تموضع، تبقى قدرة الأطراف على تنفيذ التفاهمات وضبط السلاح العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان العراق سيستفيد من السلام التركي أم يدفع ثمن تعثره.





