حين تستعيد الدولة قرار السلاح

هيئة التحريرمنذ 50 دقيقةآخر تحديث :
حين تستعيد الدولة قرار السلاح

نوري حمدان

لم يكن انتهاء المهام العسكرية للتحالف الدولي في العراق مجرد خبر عسكري يمكن أن يمر في نشرات الأخبار، ولا مجرد اتفاق أمني انتهت بموجبه مهمة وبدأت أخرى. الحدث، في جوهره، يضع العراق أمام سؤال أكبر بكثير من وجود قوات أجنبية أو مغادرتها: ماذا سنفعل نحن العراقيين في اليوم التالي؟ وهل تستطيع الدولة، بعدما استعادت مسؤوليتها الأمنية كاملة، أن تستعيد معها واحدًا من أهم حقوقها السيادية، وهو احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم؟

 

هذا هو السؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه. فعلى امتداد أكثر من عقدين عاش العراق ظروفًا استثنائية أنتجت أوضاعًا استثنائية. احتلال، وإرهاب، وانهيار مؤسسات، وسقوط مدن، وتهديد للعاصمة، ثم حرب شرسة ضد تنظيم داعش. وفي تلك السنوات حمل عراقيون كثيرون السلاح دفاعًا عن مدنهم وأهلهم وبلدهم، وسقط آلاف الشهداء في معارك لا يمكن إنكار تضحياتها أو شطبها من الذاكرة الوطنية.

 

لكن الدول لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد داخل الاستثناء. فالاستثناء الذي تفرضه الحرب يجب أن ينتهي عندما تنتهي أسبابه، وإلا تحول مع مرور الزمن إلى قاعدة، وتحولت الضرورة إلى واقع دائم، وأصبح ما نشأ لحماية الدولة قادرًا ـ بقصد أو من دونه ـ على منافستها في أهم وظائفها.

 

وهنا تبدأ القضية الحقيقية. إن حصر السلاح بيد الدولة ليس موقفًا ضد الحشد الشعبي، ولا إنكارًا لتضحيات الفصائل التي قاتلت الإرهاب، ولا محاولة لكتابة تاريخ تلك المرحلة من جديد. المسألة أبسط وأعمق من ذلك: لا توجد دولة مكتملة السيادة في العالم تقبل بوجود أكثر من جهة تمتلك حق اتخاذ القرار العسكري خارج مؤسساتها الدستورية.

 

قد نختلف في السياسة، وهذا طبيعي. وقد تختلف الأحزاب في رؤيتها للعراق وعلاقاته الإقليمية والدولية، وهذا أيضًا حق مشروع. وقد نتجادل حول الحكومة وبرامجها وأدائها، وننتقدها ونطالب بتغييرها عبر الانتخابات والمؤسسات الدستورية. لكن هناك شيئًا لا يحتمل التعدد: السلاح وقرار الحرب والسلم. فالدولة التي تمتلك جيشًا وشرطة وأجهزة أمنية، ثم توجد إلى جانبها قوة أخرى تستطيع أن تقرر متى تطلق صاروخًا، أو ترسل طائرة مسيرة، أو تستهدف جهة داخل العراق أو خارجه، تصبح دولة تتحمل نتائج قرار لم تتخذه.

 

وهنا تكمن الخطورة. لأن الصاروخ الذي ينطلق من أرض العراق لا يحمل بطاقة تعريف بالفصيل الذي أطلقه عندما يصل إلى هدفه، بل يحمل ـ في نظر العالم ـ عنوان العراق. والرد الذي قد يأتي بعده لن يسأل المواطن العراقي إن كان موافقًا على قرار إطلاقه أم لا.

 

هذه ليست مسألة نظرية. لقد دفع العراق خلال السنوات الماضية أثمانًا سياسية وأمنية واقتصادية نتيجة صراعات لم يكن المواطن العراقي طرفًا في اتخاذ قرار الدخول فيها. وكلما ارتفعت حرارة الصراع الإقليمي وجد العراقي نفسه يتساءل: هل ستتحول أرضه مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات؟ وهنا يجب أن نقولها بوضوح: العراق ليس ساحة. العراق دولة. والفرق بين الدولة والساحة أن الدولة تقرر مصالحها وفق مؤسساتها ودستورها، بينما تتحول الساحة إلى مكان يتصارع فيه الآخرون.

 

ومن هنا فإن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي يزيل واحدة من أهم الحجج التي استخدمت خلال السنوات الماضية لتبرير استمرار السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة. فإذا كان السلاح قد حمل تحت عنوان مقاومة الوجود العسكري الأجنبي، وقد انتهت المهمة العسكرية لذلك الوجود وفق الاتفاقات الرسمية، فمن الطبيعي أن يطرح العراقي السؤال: ما المبرر الآن؟

 

البعض سيقول إن الأخطار لم تنته. وهذا صحيح. داعش لم يتحول إلى ذكرى بالكامل، والمنطقة شديدة الاضطراب، والعراق محاط بصراعات ومصالح وقوى إقليمية ودولية. لكن وجود الأخطار لا يبرر تعدد الجيوش، بل يفترض العكس تمامًا. كلما ازدادت الأخطار أصبح العراق أكثر حاجة إلى جيش واحد وقيادة واحدة وقرار واحد. فهل تقوى الدولة عندما تتعدد مراكز القرار العسكري، أم عندما تجتمع تحت قيادة دستورية واحدة؟

 

الإجابة لا تحتاج إلى كثير من الفلسفة. وإذا كانت هناك مخاوف حقيقية على العراق وسيادته، فإن مكان معالجتها هو مجلس النواب ومجلس الوزراء ومجلس الأمن الوطني والقيادة العامة للقوات المسلحة والمؤسسات الدستورية، وليس غرفة عمليات تابعة لهذا الفصيل أو ذاك. ولا يعني ذلك أن يطلب من عشرات الآلاف ممن قاتلوا داعش العودة إلى بيوتهم وكأن شيئًا لم يكن.

 

على العكس. الدولة التي تحترم أبناءها تستفيد من خبراتهم وتضحياتهم، وتفتح أمام المؤهلين منهم أبواب مؤسساتها العسكرية والأمنية وفق القانون والضوابط المهنية، وتحفظ حقوق الشهداء والجرحى وعائلاتهم، وتضمن حياة كريمة لمن تنتهي حاجتها إلى خدماتهم العسكرية. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين دمج المقاتل في الدولة ودمج الدولة في الفصيل.

 

الأول يبني دولة. والثاني يبني نظامًا تتقاسم فيه القوى المسلحة سلطة الدولة. ولهذا فإن النقاش حول حصر السلاح يجب ألا يتحول إلى مساومة سياسية بين الحكومة والفصائل: أنت تعطيني هذا فأعطيك ذاك. السيادة ليست صفقة. والقانون ليس بندًا تفاوضيًا. ولا يستطيع حزب سياسي أن يقول للدولة: سألتزم بقانونك إذا نفذت شروطي. فلو فتحنا هذا الباب، فما الذي يمنع أي جماعة أخرى غدًا من حمل السلاح ثم تقديم قائمة مطالب مقابل تسليمه؟

 

الدولة تبدأ من قاعدة مختلفة تمامًا: القانون يسري على الجميع. وهذه الـ”جميع” مهمة جدًا. فحصر السلاح لا يمكن أن يكون انتقائيًا. لا يجوز أن نطالب فصيلًا بالسلاح ونغض الطرف عن آخر، ولا أن نلاحق السلاح السياسي ونتجاهل السلاح العشائري، ولا أن تصبح قوة القانون مرتبطة بهوية حامل البندقية. من يحمل سلاحًا خارج الإطار القانوني يجب أن يخضع للقاعدة نفسها، مهما كان اسمه وانتماؤه وتاريخه. وهذا تحديدًا ما يمنح مشروع حصر السلاح شرعيته الوطنية.

 

فالمطلوب ليس إضعاف طرف لحساب طرف آخر، بل تقوية الدولة لحساب جميع العراقيين. والدولة القوية ليست عدوًا للفصائل ولا للأحزاب ولا للعشائر ولا للمكونات. الدولة القوية هي الضمانة الوحيدة لها جميعًا. لأن الفصيل الذي يعتقد اليوم أن سلاحه يحميه قد يكتشف غدًا أن فصيلًا آخر أصبح أقوى منه. والعشيرة التي تعتقد أن ترسانتها توفر لها الأمان ستجد عشيرة منافسة تجمع ترسانة أكبر. وعندما تصبح القوة هي التي تحدد الحقوق، يتحول المجتمع تدريجيًا من دولة القانون إلى قانون القوة.

وهنا نخسر جميعًا. لذلك فإن الفرصة الموجودة أمام العراق اليوم ربما تكون من أهم الفرص منذ عام 2003. لدينا دولة استعادت قدرًا كبيرًا من قدراتها الأمنية، وقوات مسلحة خاضت تجارب قاسية واكتسبت خبرات كبيرة، ومجتمع أنهكته الحروب، وجيل عراقي جديد يريد وظيفة ومدرسة وجامعة ومستشفى ومشروعًا اقتصاديًا أكثر مما يريد سماع بيانات عسكرية جديدة.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!