حين كان الممثل نجماً في الشارع قبل الشاشة

هيئة التحريرمنذ 29 دقيقةآخر تحديث :
حين كان الممثل نجماً في الشارع قبل الشاشة

بغداد – العالم

كان الممثل العراقي، في زمن مضى، أكثر من وجه يظهر على شاشة السينما أو التلفزيون. كان اسماً تعرفه العائلة، وصوتاً تألفه الأذن، وشخصية يمكن أن يلتقيها الناس في الشارع أو السوق أو المقهى، فيشعرون أنهم أمام واحد من أبناء المدينة. قبل أن تصبح الشهرة مرتبطة بعدد المتابعين والإعجابات، كان الممثل يصنع حضوره من خشبة المسرح ومن ذاكرة الجمهور.

في بغداد القديمة، كانت المسافة بين الفنان والجمهور أقصر بكثير. كان الناس يتابعون أخبار الفنانين، يعرفون أعمالهم، ويتحدثون عن أدوارهم كما يتحدثون عن شخصيات قريبة منهم. وكانت السينما والمسرح والتلفزيون فضاءات لصناعة النجومية، لكنها لم تكن وحدها مصدرها؛ فالشارع نفسه كان جزءاً من هذه الحكاية.

كان الممثل حين يخرج من المسرح أو السينما يواجه جمهوراً يعرفه بالاسم، وربما يوقفه أحدهم ليسأله عن عمل جديد أو يحييه على شخصية قدمها. وفي المقاهي والأسواق والمناسبات الاجتماعية، كان الفنانون حاضرين بوصفهم جزءاً من الحياة اليومية، لا مجرد صور معلقة على أغلفة المجلات.

ولعبت الصحافة الفنية آنذاك دوراً مهماً في صناعة هذه العلاقة. كانت المجلات والصحف تنشر أخبار الفنانين وحواراتهم وصورهم، وتفتح صفحاتها للحديث عن المسرح والسينما والأعمال الجديدة. وكان القارئ ينتظر تلك المواد ليعرف ماذا يفعل ممثله المفضل، وأين سيظهر، وما الشخصية التي سيقدمها في العمل المقبل.

أما المسرح، فكان مساحة مختلفة للنجومية. الممثل يقف وجهاً لوجه أمام الجمهور، يسمع ضحكته وتصفيقه، ويشعر بصمته أيضاً. لا شاشة تفصل بين الطرفين، ولا مسافة رقمية تختصر العلاقة. ولهذا بقيت أسماء كثيرة حاضرة في الذاكرة، حتى بعد مرور سنوات طويلة على آخر ظهور لها.

اليوم تغيرت صناعة الشهرة. أصبح الممثل قادراً على الوصول إلى آلاف أو ملايين الناس من خلال شاشة الهاتف، وأصبح حضور الفنان يقاس أحياناً بأرقام المشاهدات والمتابعين. لكن الشهرة الرقمية، مهما اتسعت، لا تعني بالضرورة أن الفنان أصبح جزءاً من ذاكرة المدينة.

لعل الفرق الحقيقي أن نجومية الأمس كانت تُبنى ببطء، من عمل إلى آخر، ومن شخصية إلى أخرى، حتى يصبح الممثل جزءاً من وجدان الجمهور. أما اليوم، فقد يستطيع الوجه أن يصبح معروفاً بسرعة، لكن الزمن وحده يقرر من سيبقى.

هكذا كان الممثل نجماً في الشارع قبل الشاشة؛ قريباً من الناس، يعرفونه كما يعرفون تفاصيل مدينتهم. وربما لهذا السبب تحديداً، ما زالت صور أولئك الفنانين تعود إلينا كلما فتحنا ألبوماً قديماً، أو مررنا أمام سينما عتيقة، أو سمعنا اسماً من زمن جميل لم يغادر الذاكرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل !!