د. محمد القريشي
في الرابع عشر من تشرين الأول 1994، حاول متشدد اغتيال الأديب المصري نجيب محفوظ، وتم اعتقاله بعد ذلك. وبحسب شهادة الكاتب المصري محمد سلماوي، الذي التقاه في السجن، فان سلماوي، قد سأله، إن كان قد قرأ لنجيب محفوظ، فأجابه مستنكرا: “أستغفر الله العظيم!”, وعندما سأله عن السبب، قال إن نجيب محفوظ “بيهاجم الإسلام”.
وهو ما يعني بأن هذا الشخص كان متأثرا بما يتلقاه من أحكام جاهزة من أشخاص آخرين. وقد تأمل كثيرا رجل الدين والعالم البروتستانتيّ الالماني بونهوفر، في وقت مبكر بهذا النمط، خلال فترة وجوده في السجن النازي عام 1943 وكتب “تأملاته في الغباء”، قبل ان يحكم عليه بالإعدام. فقد بين بونهوفر استغرابه من كيفية انقياد أمة مثل ألمانيا،المليئة بالعلماء والفلاسفة والأدباء ) وخضوعها لأيديولوجية النازية المدمرة. ومن اهم أفكاره :
- 1. الغباء لا يعني نقصا في الذكاء، بل هو عيب أخلاقي وصحي. وهو (الغباء) ليس مشكلة فكرية أو قلة معرفة، بل خلل إنساني وفقدان للاستقلالية الفكرية. فهناك أشخاص أذكياء جداً ويمتلكون شهادات عالية، لكنهم يتصرفون بـ “غباء مطلق” في المواقف السياسية والاجتماعية. وفي المقابل، هناك أناس بسيطون غير متعلمين يمتلكون حسا أصوليا و نقديا ويقظة أخلاقية تمنعهم من الانقياد.
- 2. الغباء قد يكون اخطر من الشر. وفي هذا المجال، يميز بونهوفر بين الشرير والغبي، فالشرير، هو الذي يمكنك الاحتجاج ضده وكشفه وتجريمه، أو حتى منازعته ومنعه، لأنه يحمل بذور تحطيم نفسه ومخالفة العقل.
اما الغبي، فهو الذي تعجز عن محاربة غبائه بالحقائق أو المنطق.
فحين تُواجٓه الشائعات والأفكار الغبية بالحقائق، فإن الغبي ببساطة يرفض الحقائق، أو يعتبرها استثناءات، أو يتعامل معها بلامبالاة. وهو في هذه الحالة متأكدٌ من نفسه، وشديد القناعة بذاته، ومستعد للهجوم على من يخالفه بسهولة.
1- الغباء ظاهرة اجتماعية مصطنعة وليست طبيعية.
لا يولد الإنسان غبيا بل يصبح كذلك، تحت تاثير السلطة والأيديولوجيا. فصعود الأنظمة الشمولية، مهما كان شكلها ( قومي، ديني، ايديولوجي،..)، يقود تلقائيا الى حرمان أعداد كبيرة من الناس من استقلالهم الفكري وتحويلهم الى جماعات منقادة. وتحت تاثير الضخ الإعلامي أو السياسي على هذه الجماعات، تتراجع القدرة على التفكير النقدي، وتحل محلها الشعارات الجاهزة والكلمات الرنانة، ويتحول الجميع إلى مجرد أداة في يد السلطة.
- 1. الغبي ليس فردا حرا بل صدى لسيده.
والشخص الذي يصبح ضحية “الغباء السياسي/الاجتماعي” يكون مخدوعا وفاقدا لإرادته الحرة. وهو لا يفكر بل يكرر الأفكار والشعارات التي تلقاها.
ويقول بونهوفر في ذلك تحديدا (عندما تتحاور معه، يكاد ينتابك شعور بأنك لا تتعامل مع شخص بذاته، بل مع شعارات وعبارات جاهزة استحوذت عليه. إنه واقع تحت تأثير تعويذة، وقد أُعميَ واستُغلّ وأُسيء إليه في صميم وجوده).
العلاج حسب بونهوفر؟
لا يؤمن بونهوفر بالتعليم كوسيلة لعلاج “المسحور” بل بتحريره من السحر كمقدمة للتعليم والنقاش المنطقي. بعبارة ادق: تحريره من قيود السلطة والبيئة المستبدة التي تسلب العقل. وهي تمهيد لاعادة صنع ذات جديدة، تتمتع بالاستقلالية الفكرية والأخلاقية.
ومن زاوية آخرى، تناول المؤرخ الاقتصادي الإيطالي كارلو ماريا تشيبولا الغباء، حين على آثاره العملية، وصنف أنماط السلوك استنادا إلى المكاسب أو الخسائر للفاعل او للآخرين. فكتب مقالة ساخرة عام 1976، تحت عنوان القوانين الأساسية للغباء.
وفي هذه المقالة، صنف تشيبولا الغباء البشري إلى 4 أنواع:
- 1. الأذكياء، وهم الأشخاص الذين تحقق أفعالهم مكسبا لأنفسهم وللآخرين حسب معادلة (رابح- رابح).
- 2. العاجزين او قليلي الحيلة: وهي الشريحة التي تجلب أفعالها النفع للآخرين ولكنها تخسر في الوقت نفسه (خسارة للذات – ربح للغير)…
- 3. الأشرار او ما يسميهم بقطاع الطرق: وهم الذين يحققون مكاسب لأنفسهم على حساب إلحاق الخسارة بالآخرين (ربح للذات – خسارة للغير).
- 4. الأغبياء، ويضر هؤلاء أنفسهم في الوقت الذي يضرون فيه الآخرين دون أي فائدة تُذكر (خسارة – خسارة).
ويلتقي الاثنان( بونهوفر وتشيبولا ) رغم الفارق الزمني بينهما واختلاف زوايا التفكير، في إبراز خطورة الغباء وآثاره في حياة الأفراد والمجتمعات. فبينما ركز بونهوفر على وقوع الفرد تحت سحر السلطة والايديولوجيا لدرجة فقدانه الاستقلال الفكري، اهتم تشيبولا بالنتائج التي تنسحب على السلوك الغبي، وما قد يسببه من أضرار بصاحبه وبالآخرين.
ولهذا فان خطورة الغباء لا تكمن في محدودية المعرفة وحدها، بل في “عطب التفكير النقدي” والعجز عن تقدير عواقب الأفعال، بشكل يجعل الإنسان أحيانا أداة في إلحاق الضرر بنفسه وبمحيطه.




