أحمد شافعي
في يوم ربيعي من عام 1989 رست سفينة حاويات في ميناء نيويورك قادمة من ميناء إيمشيفن الصناعي الهولندي. كانت السفينة "بيبي ريزوليوشن" تابعة لشركة شحن عريقة في ليفربول أسسها أحد تجار العبيد قبل 200 عام، ففي حين كان للشركة المالكة تاريخ طويل كانت السفينة بلا لبس نتاج أواخر القرن الـ20.
هكذا يكتب المؤرخ إيان كوميكاوا من مركز التاريخ والاقتصاد بجامعة هارفرد الأميركية في كتابه الصادر حديثاً عن دار نوبف الأميركية في قرابة 300 صفحة بعنوان "السفينة الخاوية: قصة الاقتصاد العالمي في بارجة واحدة". ولا أحسب عنواناً فرعياً يظلم كتابه مثل هذا الظلم فـ"قصة الاقتصاد العالمي" تنذر بقراءة جافة لكتاب يبدو أبعد ما يكون عن الجفاف، وكلمة "البارجة" قد تخدع القارئ فيتصور أنه بصدد القراءة عن سفينة عسكرية، في حين أن حياة الجندية ليست إلا حلقة عابرة في حياة عريضة عاشتها هذه السفينة.
في مقدمته للكتاب، يصف كوميكاوا السفينة بأنها "متعددة الألسن... صنعت في السويد، لمالك بريطاني، وأدارها طاقم دولي. وفي العقد الأول لتشغيلها، سجلت في أربعة بلاد. وعندما رست في نيويورك، كانت مدرجة في البهاماس وإن لم تمس مياهها الإقليمية. فشأن سفن حاويات أخرى، لم تكن ’بيبي ريزوليوشن‘ كائناً ينتمي إلى بلد واحد بقدر ما كانت ابنة النظام الاقتصادي العالمي كله".
"غير أن ’بيبي ريزوليوشن‘ سفينة حاويات غير عادية، لأنها بلا محرك، إذ قطرتها من أوروبا إلى نيويورك سفينة أخرى، ولأنها لم تحمل قط الحاويات بهدف تفريغها، بل ولم تحتو قط أي بضائع. إنما كانت دائماً سفينة إقامة، أو هي بحسب أوصاف ملاكها ’سفينة فندقية‘ أو ’مقابلة للساحل‘ أو ’عائمة‘. وعلى رغم ما تستدعيه هذه التصنيفات من إيحاءات بالراحة، بل وبالرفاهية، فلا يغير هذا من حقيقة أن السفينة البالغ طولها 94 متراً والمسطحة القاع والمقامة من خمسة طوابق معدنية قابلة للتعديل والمصممة لاستضافة البشر لا البضائع والمقامة قمرتها ومطابخها وأماكن التجمع وقاعات الترفيه فيها من حاويات فولاذية، قد جيء بها إلى نيويورك لتقوم حرفياً بمهمة ’الاحتواء‘، لأن إدارة الإصلاح في المدينة الأميركية استأجرت ’بيبي ريزوليوشن‘ لتحولها إلى سجن". حكت إدنا كوران قصة ميلاد الكتاب في تقرير بصحيفة "بلومبيرغ" نشرته في التاسع من مايو (أيار) الجاري، فقالت إن كوميكاوا "انجذب إلى الموضوع من خلال عمل زوجته المحامية الجنائية التي نبهته عام 2020 إلى وجود سجن في سفينة بمدينة نيويورك، وإلى أن تلك السفينة واجهة لسفينة أخرى كانت تحوي السجناء ذات يوم في نهر إيست، فكان هذا حافزاً للمؤرخ إلى التعمق في ماضيها. وكانت جائحة كورونا آنذاك قد أغلقت كثيراً من مسارات البحث المعهودة، فمضى كوميكاوا يعمل من خلال تطبيق ’زووم‘، قبل أن يتنقل في العالم سعياً إلى ربط أجزاء قصة السفينة التي تجمعت له على مدى ثلاثة أعوام. فعلم أن رحلة السفينة عبر عقود قد شملت بحري البلطيق والشمال وجنوب الأطلسي والكاريبي ونهري أمس وإيست والقنال الإنجليزي ونهر التايمز وخليجي والفيس وغينيا في ناميبيا". وتنقل إدنا كوران عن كوميكاوا قوله "ما كدت أعثر على السفينة حتى رأيت فيها كنزاً كاملاً من القصص التي تتماس مع كثير للغاية من جوانب الاقتصاد الحديث وعالم الاقتصاد الجديد المنقول إلى خارج الدول الوطنية". تفصل كوران ذلك التماس بين التاريخ الشخصي للسفينة وتاريخ الاقتصاد العالمي بقولها إن قضية تراجع التصنيع على سبيل المثال "سيطرت على أعوام السفينة الأولى، إذ أغلقت أحواض تصنيع السفن أبوابها بتحول إنتاج السفن من البلاد الغربية إلى آسيا، فتحولت القاعة التي أقيمت فيها السفينة إلى ناد للرقص في التسعينيات، ثم أصبحت بعد ذلك سوبرماركت براقا، بينما تحول رصيف بحري قريب منها إلى جزء من مجمع سكني راق، وأصبحت ورشة المحركات القديمة قاعة للأثاث الراقي يصل سعر الأريكة فيها إلى 7 آلاف دولار".
تعكس هذه التحولات كما توضح كوران تراجع التصنيع الثقيل في كثير من البلاد الغربية الثرية أمام الاقتصاد الخدمي والاستهلاكي، مما وسع الفجوة بين العمال الذين تخلفوا عن الركب وبين الذين ازدهرت أحوالهم في ظل الاقتصاد الجديد.
ومثلما تلقي أعوام السفينة الأولى الضوء على قضية تراجع التصنيع، فإن كوميكاوا يستخلص دروساً أخرى من الأعوام التي قضتها السفينة في بحار أخرى حيث عملت السفينة سكناً موقتاً لعمال خط تجميع السيارات التابع لأحد مصانع "فولكس فاغن" و"فيما يخفف العالم تدريجاً اعتماده على طاقة الهيدروكربونات ويبدأ النظر إلى طاقات بديلة، فإن ذلك المصنع الذي رست السفينة قربه لتكون سكناً لعماله في أواخر ثمانينيات القرن الماضي تحول الآن إلى إنتاج السيارات الكهربائية، في حين أن حوض بناء السفن القريب منه قد أشهر إفلاسه في مطلع العقد الثاني من القرن الحالي".
والحق أن رصد تطورات الاقتصاد العالمي يبدو بأثر من "السفينة الخاوية" أمراً يسيراً، من خلال رصد أي شيء ملموس في حياتنا، وهذا في ما يبدو هدف أساس للكتاب توضحه جينيفر سالاي.