بغداد – العالم
دخلت الأسواق العراقية مرحلة من التوتر بعد دعوة "تجمّع تجّار العراق" إلى إغلاق شامل للمحال ابتداءً من امس الأحد وحتى إشعار آخر، احتجاجًا على رفع الرسوم الجمركية وتكدّس الحاويات في ميناء أم قصر، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا بين الأوساط الاقتصادية والسياسية بشأن تداعياتها على الأسعار وحركة التجارة. وبينما تسعى الحكومة إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية وتنظيم الاستيراد، يرى مراقبون أن الأزمة قد تتحول إلى "دوامة إعصار حقيقي" إذا لم تُعالج بسرعة عبر حلول متوازنة تراعي مصالح الدولة والتجار والمستهلكين.
ويأتي هذا الحراك عقب قرار حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني تعديل نسب الرسوم الجمركية على الواردات لتتراوح بين 5% و30%، ضمن شرائح متدرجة تستهدف ضبط السوق المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. غير أن التجار يرون في هذه الزيادة عبئًا إضافيًا قد ينعكس مباشرة على أسعار السلع، خصوصًا الأساسية منها، في وقت يعاني فيه المواطن من ضغوط معيشية متصاعدة.
وأظهرت مقاطع مصورة تداولها ناشطون إغلاق عدد من المحال التجارية وتنظيم احتجاجات رفضًا للقرارات الحكومية، وسط تحذيرات من أن استمرار الإضراب قد يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد ونقص بعض البضائع. كما طالب التجار بالإسراع في إخراج الحاويات المتكدسة في ميناء أم قصر، معتبرين أن التأخير يفاقم الخسائر ويرفع كلفة الاستيراد.
ويرى خبراء أن أي تعطّل في حركة الأسواق، حتى لو كان مؤقتًا، قد يدفع الأسعار نحو الارتفاع نتيجة قلة المعروض وزيادة كلف النقل والتخزين، ما يضع الحكومة أمام اختبار اقتصادي حساس.
الخبير الاقتصادي أحمد صدام اعتبر أن للتجار مبرراتهم في الاحتجاج، مشيرًا إلى أن معدلات التعرفة الحالية تبدو مرتفعة مقارنة ببعض دول الخليج مثل الإمارات والسعودية والكويت. لكنه في الوقت نفسه رأى أن تطبيق نظام الأتمتة الجمركية "الأسكودا" يمثل خطوة إيجابية للحد من الفساد وضمان تحصيل الإيرادات بشكل دقيق.
وأوضح أن الحل قد يكمن في الاستمرار بتطبيق النظام مع إعادة النظر في مستويات التعرفة لبعض السلع، ولا سيما الكهربائية والدجاج المجمد الذي يخضع لتعرفة تصل إلى 30%، محذرًا من أن الإنتاج المحلي لا يغطي حاجة السوق، ما قد يقود إلى ارتفاع الأسعار إذا استمرت الرسوم المرتفعة.
من جانبه، قال الأكاديمي والاقتصادي علي دعدوش إن التجارة العراقية اعتمدت طوال العقدين الماضيين بشكل شبه كامل على الاستيراد عبر الحاويات، وهو ما ساهم في ضعف الإيرادات الجمركية وانتشار الفساد داخل المنظومة. ويرى أن تطبيق الأتمتة يمثل تحولًا مهمًا نحو تنظيم التجارة وتعزيز موارد الدولة بعيدًا عن النفط.
لكن دعدوش أقرّ بأن بعض التجار تكبدوا خسائر نتيجة التعرفة الجديدة، داعيًا في الوقت نفسه إلى موازنة المصالح عبر دعم الاقتصاد المحلي والحد من استيراد السلع غير الضرورية. وأشار إلى أن التعرفة لا تُفرض بشكل موحد، إذ تتراوح بين صفر و5% لبعض السلع مثل الخضراوات مع وجود إعفاءات، بينما ترتفع إلى 10% و15% و20% على السلع الكمالية.
وتساءل عن حجم هذه الكماليات من إجمالي الاستيرادات، معتبرًا أن الجدل الدائر يعكس أيضًا صراعًا بين رغبة بعض التجار في الحفاظ على هوامش أرباح مرتفعة، وبين توجه حكومي لإعادة هيكلة السياسة التجارية.
على المستوى النيابي، وصفت رئيسة كتلة الجيل الجديد سروة عبد الواحد قرارات زيادة الإيرادات غير النفطية ورفع الرسوم الجمركية بأنها متسرعة وتحتاج إلى مراجعة فورية. وأشارت إلى أن ضعف تطبيق التعرفة السابقة والرقابة المحدودة أسهما في ضياع الإيرادات، نتيجة التلاعب في توصيف الشحنات وإدخالها تحت مسميات غير دقيقة للتهرب من الرسوم.
وحذرت من أن مضاعفة الرسوم لن تحقق الفائدة المرجوة ما لم يُعالج التهرب الجمركي جذريًا، مؤكدة أن الإجراءات الحالية قد تضر بالتجار الملتزمين أكثر من غيرهم، وتُلقي بأعباء إضافية على السوق.
تسلّط الأزمة الضوء على معادلة معقدة تواجهها الحكومات العراقية المتعاقبة: كيف يمكن زيادة الإيرادات غير النفطية دون إحداث صدمة في الأسواق؟ فالعراق لا يزال يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاته، ما يجعل أي تغيير في السياسة الجمركية ذا أثر مباشر على معيشة المواطنين.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الإصلاحات يتطلب حزمة متكاملة تشمل مكافحة الفساد الجمركي، وتبسيط الإجراءات، وتسريع التخليص في الموانئ، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي ليكون قادرًا على المنافسة. فرفع الرسوم دون توفير بدائل محلية قد يؤدي إلى تضخم الأسعار بدل حماية الاقتصاد.
في حال استمر الإضراب، قد تضطر الحكومة إلى فتح قنوات حوار مع ممثلي القطاع التجاري للوصول إلى تسوية، ربما عبر مراجعة بعض الرسوم أو تطبيقها تدريجيًا. أما إذا جرى احتواء الأزمة سريعًا، فقد تتحول هذه الخطوة إلى نقطة انطلاق لإصلاح أوسع في النظام الجمركي. وفي جميع الأحوال، تبدو الأسواق العراقية أمام اختبار دقيق، حيث يتقاطع هدف الدولة في تعظيم مواردها مع حاجة السوق إلى الاستقرار. وبين هذا وذاك، يبقى المستهلك الحلقة الأكثر تأثرًا، ما يجعل أي قرار اقتصادي بحاجة إلى توازن يضمن حماية القدرة الشرائية دون تعطيل مسار الإصلاح.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الإصلاحات يتطلب حزمة متكاملة تشمل مكافحة الفساد الجمركي، وتبسيط الإجراءات، وتسريع التخليص في الموانئ، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي ليكون قادرًا على المنافسة. فرفع الرسوم دون توفير بدائل محلية قد يؤدي إلى تضخم الأسعار بدل حماية الاقتصاد.
في حال استمر الإضراب، قد تضطر الحكومة إلى فتح قنوات حوار مع ممثلي القطاع التجاري للوصول إلى تسوية، ربما عبر مراجعة بعض الرسوم أو تطبيقها تدريجيًا. أما إذا جرى احتواء الأزمة سريعًا، فقد تتحول هذه الخطوة إلى نقطة انطلاق لإصلاح أوسع في النظام الجمركي.
وفي جميع الأحوال، تبدو الأسواق العراقية أمام اختبار دقيق، حيث يتقاطع هدف الدولة في تعظيم مواردها مع حاجة السوق إلى الاستقرار. وبين هذا وذاك، يبقى المستهلك الحلقة الأكثر تأثرًا، ما يجعل أي قرار اقتصادي بحاجة إلى توازن يضمن حماية القدرة الشرائية دون تعطيل مسار الإصلاح.
وفي جميع الأحوال، تبدو الأسواق العراقية أمام اختبار دقيق، حيث يتقاطع هدف الدولة في تعظيم مواردها مع حاجة السوق إلى الاستقرار. وبين هذا وذاك، يبقى المستهلك الحلقة الأكثر تأثرًا، ما يجعل أي قرار اقتصادي بحاجة إلى توازن يضمن حماية القدرة الشرائية دون تعطيل مسار الإصلاح.
وفي جميع الأحوال، تبدو الأسواق العراقية أمام اختبار دقيق، حيث يتقاطع هدف الدولة في تعظيم مواردها مع حاجة السوق إلى الاستقرار. وبين هذا وذاك، يبقى المستهلك الحلقة الأكثر تأثرًا، ما يجعل أي قرار اقتصادي بحاجة إلى توازن يضمن حماية القدرة الشرائية دون تعطيل مسار الإصلاح.