بغداد - العالم
لم تكن زيارة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة الأمريكية مجرد محطة بروتوكولية في سجل العلاقات العراقية الأمريكية، بل جاءت في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، لتمنح بغداد فرصة لإعادة صياغة موقعها السياسي والاقتصادي، وإبراز رؤيتها كشريك يسعى إلى بناء علاقات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة.
ويكتسب اللقاء الذي جمع الزيدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض أهمية استثنائية، كونه أول زيارة خارجية لرئيس الوزراء منذ تشكيل الحكومة، فضلاً عن أنها جاءت بدعوة رسمية من الإدارة الأمريكية، وهو ما يعكس وجود رغبة متبادلة في فتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية بعد سنوات هيمنت فيها الملفات الأمنية والعسكرية على طبيعة التعاون بين البلدين.
اقتصادياً، حملت الزيارة رسائل واضحة بأن العراق يسعى إلى تحويل علاقته مع الولايات المتحدة من إطار الدعم الأمني إلى فضاء الاستثمار والتنمية. فقد تصدرت ملفات الطاقة، وتطوير البنى التحتية، والصناعة، والتكنولوجيا، وجذب الشركات الأمريكية جدول المباحثات، بما ينسجم مع توجه الحكومة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وحدها.
سياسياً، تمنح الزيارة بغداد فرصة لتعزيز حضورها في المشهد الإقليمي بوصفها دولة تسعى إلى انتهاج سياسة خارجية متوازنة، تقوم على بناء علاقات إيجابية مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، بعيداً عن سياسة المحاور. وفي ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، فإن امتلاك العراق قنوات تواصل مباشرة مع واشنطن يمنحه مساحة أوسع للدفاع عن مصالحه، وطرح رؤيته بشأن ملفات الأمن الإقليمي واستقرار الشرق الأوسط.
كما أن الاستقبال الرسمي الذي حظي به الزيدي في البيت الأبيض، وما رافقه من تصريحات إيجابية بشأن مستقبل العلاقات العراقية الأمريكية، يحمل دلالات سياسية تتجاوز الرمزية، إذ يعكس استعداد الطرفين للدخول في مرحلة جديدة من التعاون تقوم على المصالح الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب استمرار التنسيق في الملفات الأمنية ومكافحة الإرهاب.
ومن المتوقع أن تنعكس نتائج هذه الزيارة على الداخل العراقي في حال ترجمة التفاهمات إلى اتفاقيات ومشروعات عملية، سواء في قطاع الطاقة، أو إعادة تأهيل البنى التحتية، أو نقل التكنولوجيا، أو توفير فرص العمل، وهي ملفات تمثل أولوية للحكومة في المرحلة المقبلة. كما أن توسيع حضور الشركات الأمريكية في السوق العراقية قد يسهم في رفع مستوى المنافسة، وتحسين جودة الخدمات، ودعم برامج التنمية المستدامة.
وفي المحصلة، فإن نجاح الزيارة لن يقاس فقط بحفاوة الاستقبال أو بعدد اللقاءات التي عقدها الوفد العراقي، وإنما بقدرة بغداد على تحويل ما جرى في واشنطن إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن العراقي، سواء من خلال مشاريع استثمارية جديدة، أو شراكات اقتصادية نوعية، أو تعزيز مكانة العراق الإقليمية والدولية. وإذا ما تحقق ذلك، فإن زيارة الزيدي إلى واشنطن قد تمثل بالفعل بداية مرحلة جديدة في العلاقات العراقية الأمريكية، عنوانها الشراكة من أجل التنمية والاستقرار، بدلاً من الاقتصار على إدارة الأزمات.