العصملية
25-شباط-2026


تلخصت الإدارة العثمانية للعراق على مدى قرون بأمرين: الضريبة والجندية. كل ما أرادته السلطنة من البلد هو اموال وجنود. الأموال تذهب الى خزينة الإمبراطورية، والمجندون يمضون الى حروب السلطان. ولا شيء من هذا او ذاك يعود بالفائدة على الولايات العراقية.
الباقي من كل امور الحياة ترك للناس، حتى الأمن نفسه. ومع ادارة مهمتها نهب الأموال وسلب الأرواح دخلت البلاد في غيبوبة، تهاوى العمران، خربت الزراعة، وذوت الحياة.
كان الجهاز الإداري عدوا للناس. وكان الناس اعداء للجهاز الإداري. وكان الناس فئتين او كلاهما: إما فار من الجندية او متهرب من الضريبة. وكانت مظاهر الغنى والشباب مجلبة للشبهة. وكان الفقر والمرض أفضل وسائل الدفاع عن النفس والمال. فالمفلس في القافلة امين من مطلب الضريبة. وعيون الجندرمة لا تقع على العليل لأنه آخر المطلوبين في المعارك.
وذهب العصملي وبقي العصملي.
راح العثمانيون وتوارثت الإدارة العراقية عقليتهم. انتقلت الحياة من الفوضى العثمانية الى دولة ضبط وربط. ومهمة هذا النمط الجديد من الإدارة توفير خدمات الأمن والتعليم والصحة والنظافة والنقل والماء والكهرباء وتنمية الإقتصاد.
انها إنقلاب تام من إدارة خدمها الناس الى ادارة خادمة للناس. هذه هي طبيعة الدولة الحديثة بصرف النظر عن نوع نظامها السياسي.
الإدارة التي تأخذ فقط اصبحت تعطي وتأخذ. تعطي أولا ثم تأخذ. انت اذا اشتريت دارا فإن دوائر العقار تؤمن لك ضبط المساحة وتحديد الموقع والمواصفات وتسجيلها باسمك وتضمن لك حمايتها من اي عدوان او تلاعب، وبالمقابل تستلم عن هذه الخدمة ضريبة معلومة تذهب الى خزينة الدولة. لكن ماذا يحدث اذا كانت عقلية الشاري والموظف عصملية؟
الأول يريد ان يخفض ثمن العقار في الورق الرسمي حتى تخف الضريبة عليه، والآخر يستجيب اذا تسلم المعلوم من الرشوة. المواطن يسرق من الدولة والموظف يسرق من المواطن والدولة معا. وهذه سنة لا تقبل تبديلا في دوائر الطابو العراقية.
الموظف ينصب على المواطن والدولة، والمواطن ينصب على الدولة. كلاهما عديم الشعور بالولاء للدولة. ومع ان المواطن وفر ثمن العقار بعرق الجبين الا ان شيئا ما في اعماقه يقول له شيئا آخر، انه لا يصدق ان الفلوس حلال، والعقار حلال، ذلك ان ضمانات الأمان محدودة، والقلق من دولة بني عثمان متوارث ابا عن جد لا يقبل انفكاكا ولا رحيلا. وهذا الشك يلقي بظله الثقيل حتى على ثمرة كده، فتبدو كما لو كانت حراما، ويبدو لنفسه كما لو كان لصا. الدولة التي تأخذ ولا تعطي مازالت سارية المفعول في نفس الموظف والمواطن. والمحاسب نموذج متطرف عليها. فهو حين يسلم الأجر او الراتب لا يكاد يصدق او يقبل على نفسه ان يفعل ذلك. كأنه يعطي من لحمه. التغير غير مفهوم ولا مهضوم. وسبحان مغير الأحوال من نهاب الى وهاب. وفي أزمان غابرة كان خير الناس النهاب الوهاب !
هل قضت؟

العراق فوق كل اعتبار
23-حزيران-2026
حصر السلاح بيد الدولة.. بين ضرورات الاستقرار وتحديات الواقع
23-حزيران-2026
كيف حولت السينما الأفكار المجردة إلى صور؟
23-حزيران-2026
هابرماس فيلسوف المراجعات الكبرى جرفه «الطوفان»
23-حزيران-2026
الذكاء الاصطناعي «يسرب» أسئلة الامتحانات لتلامذة بريطانيين
23-حزيران-2026
الأفاعي والتماسيح تحيط بـ «رونالدو وهالاند» في كأس العالم
23-حزيران-2026
وفاة أول شرطية مرور في اليمن
23-حزيران-2026
«كسرتني بموتك».. أسرة العندليب تكشف كواليس اللقاء الأخير بين عبد الوهاب وحليم
23-حزيران-2026
الاقتصاد العراقي بين الريع والنهوض الحضاري
23-حزيران-2026
لغة الازياء .. عندما تتحدث الحضارة بصمت ..
23-حزيران-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech