بغداد _ ياسر الربيعي
يواجه مجلس النواب مأزقاً سياسياً متجدداً مع اقتراب جلسة الحسم المخصصة لاستكمال التصويت على أعضاء اللجان النيابية الدائمة. وبينما يُفترض أن تكون اللجان هي "المطبخ الفعلي" للتشريعات والرقابة، تحولت في الدورة الحالية إلى ساحة صراع محتدم بين الكتل الكبيرة، ما جعل من جلسة اليوم المرتقبة مجرد محطة أخرى قد لا تشهد النهاية السعيدة لهذا الملف المعقد. فالخلافات لم تعد تقتصر على أسماء النواب، بل تمتد إلى جوهر المحاصصة السياسية التي تحكم مفاصل الدولة العراقية. اللجان السيادية.. عقدة المنشار: تتركز العقدة الرئيسية في توزيع اللجان التي توصف بـ"السيادية" أو ذات الثقل المالي والرقابي، وعلى رأسها لجان (المالية، النزاهة، والأمن والدفاع). هذه اللجان تمثل أدوات ضغط سياسية وقانونية كبرى؛ فاللجنة المالية تتحكم في مسارات الموازنة والمشاريع، بينما تمثل لجنة النزاهة سيفاً مسلطاً لملاحقة ملفات الفساد التي غالباً ما تُستخدم في الصراعات السياسية.
وبحسب تصريحات النائب عن كتلة النهج الوطني، ضحى البهادلي، فإن قرابة 10 لجان حيوية لا تزال عالقة بسبب عدم التوصل إلى صيغة تضمن "التوازن والعدالة" بين المكونات والكتل، وهو مصطلح سياسي يُقصد به عادةً ضمان حصة كل حزب من النفوذ الرقابي. خلفيات الصراع: الرقابة أم الغنائم؟ ويرى مراقبون للشأن السياسي أن الصراع الحالي يتجاوز الرغبة في تفعيل الدور البرلماني، ليصل إلى محاولة الكتل السياسية تأمين "مصدات" داخل البرلمان لحماية وزرائها في الحكومة أو لعرقلة خصومها.
إن تأخر حسم اللجان لأكثر من عام على عمر الدورة البرلمانية يعكس عمق الفجوة بين الإطار التنسيقي والكتل السنية والكردية، وحتى داخل التحالفات الواحدة، حيث يطمح الجميع لرئاسة اللجان التي تمتلك سلطة استدعاء المسؤولين وتدقيق العقود الحكومية الكبرى.
بالنظر إلى جدول أعمال جلسة اليوم الاثنين، الذي يتضمن فقرة وحيدة وهي "استكمال التصويت"، يبدو أن رئاسة البرلمان تحاول دفع الكتل نحو الأمر الواقع. ومع ذلك، فإن المعطيات المسربة من أروقة الكواليس تشير إلى أن التوافق لا يزال بعيد المنال.
النائب البهادلي أكدت أن "المؤشرات الحالية لا توحي بإمكانية حسم جميع اللجان"، ما يفتح الباب أمام سيناريوهين: إما التصويت على اللجان "الثانوية" المتفق عليها وتأجيل "السيادية"، أو رفع الجلسة دون تصويت يذكر نتيجة اختلال النصاب أو الاعتراضات الفنية التي تُغلف الدوافع السياسية.
تداعيات التعطيل على الشارع: هذا التعطيل المستمر للمطبخ التشريعي يلقي بظلاله على الأداء الرقابي للبرلمان؛ فبدون لجان مكتملة الصلاحيات والرئاسات، تبقى الدورات التفتيشية والمساءلة القانونية للمؤسسات التنفيذية ضعيفة أو مشلولة. المواطن العراقي، الذي ينتظر تشريعات تمس حياته اليومية مثل قوانين الخدمة المدنية أو تعديلات سلم الرواتب، يجد نفسه مرة أخرى رهينة لصراع "الحصص" الذي بات السمة الأبرز للمشهد السياسي.
لماذا يشتعل الصراع الآن؟: تعتبر الكتل السياسية رئاسة اللجنة "وزارة مصغرة"؛ فالرئيس يمتلك سلطة وضع جدول أعمال اللجنة، وتحديد من يُستجوب ومن يُعفى، وهو ما يحول هذه اللجان من أدوات رقابية مهنية إلى أدوات للتفاوض السياسي وحماية المكاسب الحزبية. يبقى ملف اللجان النيابية في العراق مرتبطاً بمدى نضوج التفاهمات السياسية الشاملة. وكما جرت العادة في "ديمقراطية التوافق" العراقية، فإن الحل غالباً ما يأتي عبر "سلة واحدة" تشمل توزيع الرئاسات والمناصب الشاغرة الأخرى، وهو ما قد يتطلب جولات إضافية من المفاوضات تتجاوز موعد جلسة الغد، بانتظار لحظة "التسوية الكبرى" التي ترضي جميع الأطراف المتصارعة على كعكة الرقابة والمال.