بغداد – العالم
في قراءة تحليلية لاذعة ومثقلة بالرمزية السياسية، قدّم موقع Middle East Monitor تقريرًا مطوّلًا تناول فيه مهمة المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق مارك سافايا، واصفًا إياها بأنها واحدة من أكثر المهمات تعقيدًا وخطورة في الشرق الأوسط، ليس بسبب التوازنات الإقليمية وحدها، بل لأن بغداد – بحسب التقرير – لم تعد تُدار كدولة، بل كسوق مصالح مفتوحة منذ عام 2003.
التقرير اعتبر أن أي حديث عن نجاح دبلوماسي تقليدي في العراق ليس سوى وهم سياسي، مؤكدًا أن الطريق الوحيد القادر على إحداث تغيير فعلي لا يمر عبر الخطب أو الابتسامات أو طاولات الحوار، بل عبر تتبّع المال وضرب شبكات المصالح المالية التي تشكّل العمود الفقري للنفوذ السياسي والأمني في البلاد.
ووصف التقرير العاصمة بغداد بأنها “مسرح أوهام” مكتظ بالفخاخ، حيث تتداخل السلطة بالثروة، وتُدار السياسة بوصفها صفقة دائمة لا مشروع دولة، في بيئة تُكافئ الأكثر دهاءً لا الأكثر كفاءة. وفي هذا السياق، رأى أن المبعوث الأميركي دخل هذا “المسرح” بحدٍّ أدنى من الأدوات، في مواجهة لاعبين مخضرمين راكموا خبرة طويلة في النجاة من الأنظمة والحروب والعقوبات والانقلابات.
وأشار التقرير إلى أن تعيين سافايا لم يكن نتاج مسيرة مهنية طويلة في تعقيدات الشرق الأوسط، بل أقرب إلى مكافأة سياسية داخلية، ليجد نفسه فجأة – وفق تعبير التقرير – في “عرين الذئاب”، محاطًا بنخب تتقن لغة المجاملات الدبلوماسية، فيما تخفي خلف أناقتها السياسية “سيفًا مغطى بالحرير”.
وبحسب القراءة الغربية، فإن التفويض غير المعلن للمبعوث الأميركي يتمحور حول هدفين مركزيين: تفكيك الحشد الشعبي، وقطع حبل الولاء السياسي والأمني الذي يربط بغداد بطهران، في محاولة لإعادة العراق إلى دائرة النفوذ الأميركي. إلا أن التقرير يحذّر من أن هذه الأهداف تصطدم بواقع معقّد، حيث يواجه سافايا قادة سياسيين “نجوا من كل شيء”، ويمتلكون قدرة عالية على المناورة، وامتصاص الضغوط، وإفراغ المبادرات من مضمونها.
ويمضي التقرير إلى توصيف قاسٍ للنخب المتنفذة في العراق، معتبرًا أنهم لا يتحركون بدافع وطني أو عقائدي، ولا يؤمنون بفكرة الدولة الحديثة، بل يشكّلون – على حد وصفه – “حاشية للجشع”، تعبد القوة والمال، وتعمل بمنطق شبكات النفوذ لا مؤسسات الحكم. ويرى التقرير أن هؤلاء لا يؤدون أدوارهم كوزراء أو نواب، بل كمديري شبكات، بعضهم يقود جماعات مسلحة، أو يدير اقتصادًا موازيًا، أو يمارس الترهيب السياسي والإعلامي، في بلد “نُهب منذ 2003 ويُستنزف كأسد جريح”.
غير أن التقرير يلفت إلى ما يصفه بـ”الخطأ القاتل” الذي وقعت فيه هذه النخب، وهو ترك أثر مالي واضح. فثرواتهم – بحسب التقرير – لم تعد داخل العراق، بل موزعة بين حسابات مصرفية في سويسرا، وبنوك إيرانية، وشركات واجهة، وعقارات في أوروبا وأميركا الشمالية، بل وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى دور تسريبات وثائق بنما في كشف أجزاء من هذه الشبكات المالية، إلى جانب أدوات المراقبة التي يستخدمها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للخزانة الأميركية، معتبرًا أن هذه الأدوات تمثّل نقطة الضعف الحقيقية للنخب العراقية المتنفذة.
ويقدّم التقرير ما وصفه بـ”النصيحة الذهبية” لسافايا: استخدام قوة الخوف عبر المال، لأن هذه النخب – كما يقول – لا تخشى القصف ولا الجيوش ولا العقوبات الخطابية، بل تخشى الإفلاس، وتجميد الحسابات، وفقدان نمط الحياة الذي بنته على مدى عقدين.
وفي مشهد افتراضي شديد الدلالة، يرسم التقرير سيناريو يقترح فيه على المبعوث الأميركي أن يضع أمام القادة السياسيين وثيقة تمنح واشنطن صلاحية قانونية كاملة للتحقيق في أي أصل أو حساب أو استثمار مسجّل بأسمائهم أو بأسماء عائلاتهم والمقرّبين منهم. عندها – بحسب التقرير – “سترتجف الأيدي وتسقط الأقنعة”، فالنزيه سيوقّع بلا تردد، فيما سيغضب الفاسد، ويختبئ خلف شعارات السيادة والتدخل الخارجي.
ويخلص التقرير إلى أن معركة العراق المقبلة، إن كانت ستُخاض فعليًا، فلن تكون عسكرية ولا أيديولوجية، بل مالية بامتياز، حيث يصبح المال هو السلاح، والخوف من فقدانه هو اللغة الوحيدة التي يفهمها من يحكم “مسرح بغداد”.