بغداد - العالم
في العدد المرقم 307 من صحيفة الآراء والصادرة بتاريخ 22 آذار 1952 نُشر مقال بعنوان جد في هزل، وهو مقال ساخر سياسي، جاء فيه:
في الساعة الثانية من صباح الجمعة 14 من الجاري تحرك وفد من الحشاشين من شارع الأمين متوجهًا نحو الصالحية للمثول بين يدي الزعيم الصالح لتقديم آيات الولاء والانتظام في سلك الأميين الاشتراكيين.
وكان الوقد مؤلفًا من حضرات:
1. طريمش الهجرس شيخ مشايخ الحشاشة ونجلاه عبود وسلمان.
2. شيخان العبد رئيس صنف الحوذية "العربنجية" في بغداد.
3. العيبي المحل رئيس نقابة صباغي الأحذية يرافقه نجلاه صنكور واسيود.
4. رهط آخر غابت عنا اسماؤهم الكريمة، رأي الوقد أو رأي رئيسه على الأصح أن يستقل الجميع سيارة تاكسي ليكون منظرهم مقبولًا، غير أن شيخان اعترض بشدة وقدم لهم عربته التي فازت بالجائزة الأولى قبل عشر سنوات. وبعد جدال قصير ركب الجميع العربة وكان شيخان يوزع على السكارى (في شارع الأمين) الأصوات الموسيقية التي اعتاد أن يؤديها كلما ناداه سكران.
ثم أن العربة وصلت جسر المأمون، ولما كانت الخيل التي تجرها هزيلة جراء سياسة التسيب الاقتصادي التي سنها الزعيم صالح والتي أدت إلى ارتفاع أسعار الشعير، لذلك فإنها توقفت بالمرة ولم تستطع ايصال العربة إلى منتصف الجسر إلا مبساعدة ركابها الذين استنجدوا بالمارة، ولما انتصفت العربة الجسر وقف ركابها وهم يستعيذون بالله من هذه السفرة، فقد خيل إليهم بعد أم ملأوا خياشيمهم وصدورهم بالحشيش بأن جسر المأمون يتحرك من تحتم، وفجأة صاح شيخان: أويلاخ لك آني وكعت بالشط خلصوني! وصاح طريمش بأعلى صوته: يا جماعة آني غرقت بالماي!
وصاح آخرون بمثل هذه الأقوال بينما وقف عدد من الناس حول العربة وهم يتساءلون متعجبين:
- يابه أنتو بعدكم بالعربانة وفوق الجسر والشط بعيد عنكم.. هاي شنو انتخو تخبلتوا؟
- لا عيني انتو المخابيل مدتشوفون الماي راح يغطي راسنا!!
- وصاح أحد الواقفين يابه امشوا هذوله حشاشة شوف وين رايحين يدورون الهم اكبور بها الليالي السودة.
ولم يكد هجرس يسمع هذه الجملة حتى صاح بأعلى صوته:
ولكم يا جماعة احنا رايحين انقدم ولاءنا واحترامنا إلى الزعيم الصالح بالصالحية.
ومر في هذه الأثناء شاب قومي متحمس فلما سمع كلام هجرس قال له:
- والله أثاري انتو ناس متستحون ولكن أقلها هسا انتو واقفين فوق جسر الشهداء وفي وسطه أي في مكان الذي استشهد فيه شباب مسلمون أبرياء لم يفعلوا شيئًا سوى مناداتهم باسقاط معاهدة بورتسموث الانكليزية الستم تذكرون هذه المنائر التي كانت حكومة الزعيم الصالح ترسل منها النيران لحصاد الشباب الوطني، ارجعوا إلى أماكنكم وارتكوا الزعين ينعم بالأحلام اللذيذة وذكرياته الجميلة عن لندن وبوريتسموث عندما استلم عصار المارشالية مفاخرًا وواعدًا أصدقاءه الحلفاء بأنه سيحطم رؤوس الشباب الوطني بهذه العصا السحرية.
ولما كان هجرس وأصحابه من الأميين الذين لا يفهمون مثل هذا المنطق ولا يحملون في قلوبهم البريئة سوى الاخلاص للزعيم الصالح الذي وعدهم بأن يرخص لهم كل الحاجات المعاشية ويسمح لهم بمزاولة أعمالهم بكل حرية ولذلك فانه رأى عدم الاهتمام بأقوال هذا الشاب وطلب من شيخان أن يسوق العربانة بأقصى سرعتها للوصول إلى مقر الزعيم.
وهكذا لم تكد تمضي عشر دقائق إلا وكانت عربانة شيخان قرب تمثال مود فقال لأصحابه:
- يابه.. تره احنه وصلنا للصالحية لازم ننزل ونسلم على مختار الصالحية حتى هو يودينا يم الزعيم لأن احنا منعرف نحجي ونستحي..
- والله خوش فكرة حلوة!
ثم أنهم نزلوا وفتشوا عن مختار الصالحية وكان نائمًا في داره وبعد أن ايقظوه واعلموه بما عزموا عليه فهنأهم على فكرتهم وقدم لهم نصائحه الثمينة ثم خرج وإياهم متوجهًا إلى مقر الحزب.
وكان باب الحزب مغلوقًا لأن الوقت متأخر ثم أنهم طرقوا الباب فخرج إليهم الحارس وقال:
- يابه الناس نايمة وهسه الرئيس مشغول مع اللجنة العليا وما يقبل يقابل خطار أبدًا.
- عيني خبره أن مختار الصالحية جايب وياه جماعة ممتازين يريدون يقدمون الولاء والطاعة. وبعد لحظات كان الزعيم واقفًا أمام الباب ويهو ينحني بكل احترام للمختار وصحبه الكرام ثم أدخلهم إلى مقر الحزب وهناك حياهم ثانية وقدم لهم الكاكاو والقهوة وبعد فترة قصيرة تفضل الزعيم وقال:
أيها الاخوان
إن المسؤولين في الحزب مهتمون كل الاهتمام بشؤونكم وأمور البلاد وكنا مجتمعين حتى هذه الساعة المتأخرة لنقرر رأي الحزب في سطوة البلديات على البانزينخانات التي يدير أكثرها أعضاء الحزب، ولنبحث قضية الانتخابات النيابية أيضًا فأنتم تعلمون أن الأعضاء الذين يفشلون في هذه الانتخابات سوف يسحبون من الحزب، وأوصيكم بطاعة الوزارة الحاضرة ولو إلى وقت قصير، كما أنا أشذكم لتكونوا خير دعاة لميثاق الدفاع الاستعماري المشترك لأنه وليد معاهدة بورتسموث، وسترون ذلك في الوثائق التي عزمت على استئناف نشرها ثم اخراجها بكتاب خاص.
وبعد أن أنهى الزعيم الصالح دوت القاعة بالهتاف والتصفيق فقام مختار الصالحية شاكرًا للزعيم هذه المساعي المفيدة للاخاء الدائم بين العراق وحلفاءه.
ثم أن رئيس الوفد قام والقى كلمة مناسبة:
- إن الشعب العراقي بكافة طبقاته يشكر لكم هذه الجهود الثمينة التي تبذلونها في سبيل تقوية الروابط الانكليزية العراقية إذ لولاكم يا صاحب الفخامة لكانت بريطانيا قد خرجت من العراق وتركتنا ايتامًا وأرامل لا معيل لنا. ثم وقف شيخان وقال:
احلف ما شفت زعيم مثلك يرحم الفقراء والموظفين خصوصًا لأنك أعطيت الخبز الأبيض للناس ومنحت الموظفين ثلاث مرات عيديات مجانًا وأعطيت الفلاحين آلاف الدونمات مجانًا وأهديت أصدقاءك المخلصين لكل واحد منهم بانزينخانة.
ثم سجل كاتب الحزب اسماء الأعضاء الجدد ودفع هؤلاء ابهاماتهم وانصرفوا وكلهم ألسنة شكر لمختار الصالحية الذي هداهم إلى الزعيم الصالح.