زوربا الديوانية ..الروائي سلام ابراهيم
24-تموز-2025

رعد كريم عزيز
يحرص الروائي العراقي "سلام ابراهيم" على استعمال كافة موجهات السرد وكوامن فعالياته الانسانية لكي يقدم حكايته المتسلسلة بانتظام ازمنتها منذ ولادته صعودا الى منفاه دون ان يخفي نأمة عاشها مقموعا او منتصرا على المستوى الاجتماعي او السياسي معتبرا الجنس هو صلة الوصل بين الخلائق المختلفة التي تنقل بطله او ذاته الساردة الى عالم النسيان والذوبان في نشوة الرقص المتشبه بحركة الصوفي الغائب واليقظ في لحظته داخل الفقاعة التي لا يعرف متى تنفجر وتتبدد في العدم,ان حياة بطل روايات سلام ابراهيم تأخذ من الافكار والنظريات والممارسات ما يناسب عنادها الوجودي وتفردها في اتخاذ القرار حتى يبدو انه يحمل رسالة تشير تعاليمها الى الارتباط بالحياة دون قوانين ثابتة بسبب الخشية من القمع والاضطهاد نفسيا وجسديا.
ما يهمنا في هذه الدراسة الوصول الى الخريطة الكتابية وكيفية الوصول الى القارئ بايسر السبل واشوقها فاذا كان السرد يجوس الخريطة السياسية العراقية منذ الخمسينات من القرن الماضي الى يومنا هذا فان لا يأله الايديولوجيا والاحزاب حيث تظهر لنا الشخصية الرئيسة مثل "ابراهيم " في رواية الحياة لحظة المعارض الابدي المتشوق للحرية , نابذا السلاح مؤكدا على العلاقات الانسانية الشفافة فهو ان تمكن من اغواء فاتنة بكل جوارحه فلن ينسى الجانب الاخر من الجنس الذي يمثل العاطفة والعلاقة التي تاتي عبر اشارات ولوامس يتقن صنعها عبر ذاكرته وحياته الواقعية-نعثر على الكثير من الاسماء الحقيقية في رواياته-ويضيف اليها الخيال لكن طبيعة السرد الواقعي والاسماء والتاكيد على التجربة الشخصية يخفيان الخيال المصنوع وذلك يعود لطبيعة التشويق السردي الحكائي الذي يعتني بالمفاجأت والكشف عن بواطن الامور التي يخفيها الاخرون في حياتهم كبشر وفي سردهم ككتاب,وهنا تجري عملية سردية هادئة تبدأ بحكاية في المنفى والجوع والخطر والمطاردة ومعاقرة الخمرة والجنس باعتباره منطقة محفوفة بالمخاطر والخطوط الحمر سيما في تفكير الانسان الشرقي.
ان بطلنا ابراهيم يبتلع كل الشخصيات ويحشرهم في غرفته الضيقة في بغداد بمنطقة الوزيرية او في موسكو ,وهو انيسهم وحاكمهم بنفس الوقت محاولا اقناعهم بقناعاته التي توصل اليها عبر تجربته والتي مفادها ان لا حلم تحقق في الوصول الى المدينة الفاضلة يؤثث ذاكرتهم ويشد انتباههم بالكلام (قال عزيز:
- تقول نبدأ
احاط بهما بعينيه ..حدق طويلا في الصمت الضاج بازيز عجلات العربة وصفير القطار المتعالي ,معلنا قرب الوصولالى محطة على الطريق .امعن في التملي ملتذا بعودته الى المشهد طرفا رئيسيا ينتظر ان العالم الذي سوف يتخلق من كلماته ,غار فيهما عميقا تحت بشرتها ..في احشائها ,في اللب منها وهو يقلب التي يعرفها ..
نب عزيز فارغ الصبر:
- ماتبدي!.ص283).
هنا بطل الرواية يراهن ويلتذ بسلاحه الوفير وكم القصص التي يعرفها لكي يبقى في المشهد متوازنا بدل الترنح باحساسه بالعدم والعيش في فقاعة قد تنفجر بلحظة غاشمة.
وتبدو روايته-او رواياته- مستلة من مذكراته في مدينته الديوانية وسط البلاد واكتشاف الجنس والادب والشعر والسياسة وحتى ان القارئ في كثير من الاحيان لا يفك الاشتباك بين الراوي العليم وبين ضمير المخاطب لان جميع روايات "سلام ابراهيم" تعيش في منطقة الكشف الانساني للمظالم التي تعرض ويتعرض له الانسان العراقي بالاعتداءات الجسدية والتعذيب والسجن والجوع والتهجير وكل ذلك يأتينا عبر شخصية جبارة ترقص وتبكي وتتمرض او تحمل رفيقها الجريح في الجبال لان "ابراهيم" البطل موجود في رواية حياة ثقيلة وفي الارسي وفي كل الروايات.
وثمة ملاحظة مهمة وهي استفادة "سلام ابراهيم" من الف ليلة وليلة بطريقة الروي والشد دون حواجز او موانع كما فعلها مع صديقة عزيز في القطار وهي يحكي بداية الف ليلة وليلة لليهودية التي انسحرت بالحكاية التي ينطقها ابراهيم-سلام- ويترجمها عزيز وهما يحلمان بعلاقة عابرة معها في ليل القطار البهيم .
واغلب ابطال "سلام ابراهيم" يسردون الحكايا والقصص كما فعلت المعلمة السمراء في السيدة زينب وهي تحكي قصة الاميرة للفتى ابراهيم الصغير لاغوائه ليلا وهي تشعل الرغبة فيه وهو الصغير الذي يكتشف اللذة لاول مرة ,وكذلك حين يروي شيركو مغامراته واكتشافاته عبر التجربة ليتحول الى متمرد هائج ومنقلب على واقعه بطريقة بوهيمية تنشد النزول لقاع المدينة وبائعات الخضار الروسيات .
والرواية تتوزع الى فصول معنونة وكانها قصص قصيرة متصلة تعتني بوصف الحياة الداخلية لما يعتمل داخل النفس البشرية دون اخفاء وكاننا ندخل الغابات العتيقة للانسان الاول وهو يجوس ارضها مكتشفا احساسه بالواقع بانكشاف لا يخفي اية تفصيلة صغيرة.
الروائي–سلام ابراهيم- يريد ان يفصح عن الاحساس بالفقدان امام الاخرين بدون زوائد تغلف الواقع وبدون استعمال ممحاة للذاكرة وبلا عملية تجميل كما فعل زوربا اليوناني في الرواية الشهيرة للروائي نيكوس كزنتزاكي الذي يريد ان ينطلق في الطبيعة حرا راقصا بدون قيود مع الحفاظ على القيم الانسانية والاخلاق التي تحترم الانسان ,لكنه لايريد هذه النظرية الانسانية ان تبقى داخله بل يريد اشاعة هذا السلوك عند الاخرين لذا فهو يسعى من خلال القص وسرد الحكايات وكشف الظلم الى ابقاء الجوهر الانساني لامعا وسط العثرات الواقعية الكبيرة.
ان هكذا بطل روائي يعيش في المركز الواضح في جوهر السرد والذي يقود الحكايات مثل شهاب سريع ومشتعل لابد ان يسقط على ارض الموانع القاسية لانه اصلا لا يؤمن بالبديل من خلال الانظمة او الحكومات ويقيس الحياة وفق شريط قياس تجربته القاسية,فهو يتعرض لقسوة الرفاق الذي ينظرون لزوجته بعيون شرهة في تجربته مع الانصار شمال العراق فيتحول الى حارس شخصي لها ونفس هذه التراكمات عبر تجربته في الديوانية صبيا ومن ثم مشاكسا للسلطة متعرضا للسجن اكثر من مرة حتى تحولت هذه اللازمة عند –ابراهيم/سلام-الى مدورة حياتية يتذكرها في كل حين وهي التي افضت به الى الايمان بان الحياة فقاعة وعليه ان يصورها قبل ان تنفجر مقتديا بعبارة المصور ( الحياة فقاعة فصوها قبل ان تنفجر لافتة خطها المصور الزنجي شاكر "ميم" وعلقها في واجهة محله وسط مدينة الديوانية ص 8).
ان الكاتب هنا غير معني بتاريخية الرواية العراقية وتجاريبها المتنوعة فهو يدخل الى عالم الادب كي يوثق التجربة والالم والمعاناة باسرع الوسائط المتداولة والتي تمارسها الجدة والام والحبيبة والصديق الا وهي الحكاية التي تبرأ النفس من ادرانها وتخدر الحواس وتوقضها بنفس الوقت كي يعبر التجربة ويداوي جروحه الذاتية .
كل هذه المساعي السردية والبوح الذاتي المكشوف لا تتراكم من اجل بلوغ نهاية سعيدة او على الاقل تصالح هادئ بعد المعاناة الملتبسة بكافة حوادثها في الاخلاق والسياسة والتنقل بين خطر واخر ولم تفضي الى محطة اخيرة بل اوصلته هو الصاخب ونقيضه الهادى المهندس الى نهاية وموت مجاني بتهمة باطلة ادت الى ذبحهما بيد القاعدة على اطراف الفلوجة.
في الرواية درس قاسي يؤكد ان الانتماء لفكرة قد لا ينجح في الوصول الى المبتغى وبالمقابل التعويل على الحرية الفردية لا يحمي الفرد من الوقوع بيد القساة,لذا فنحن لا نفلح في الحصول على درس اخلاقي من هذه الحكاية لانها تقع في منطقة البحث عن التطهير الذاتي والعيش في اللحظة بكامل عنفوانها دون تلكؤ كما عاشها " ابراهيم/سلام"محملا بذاكرة القراءة للادب الواقعي عند تشيكوف وديستوفسكي راميا حواسه باحضان المراة دون انقطاع ليطفئ نار اسئلته التي يوجهها الى الحياة التي لم تمنحه مكافأة نهاية العيش المرير فحتى الحلم بالعودة الى نهر الديوانية هاربا من تجربة طرد الزوجة له وحرمانه من الاطفال وهو المفلس الذي لم يحمل الهدايا لاهله والاصدقاء اصطدم بالتحولات التي طرات على الحياة العراقية بعد 2003 ومات وحيدا مذبوحا دون ان يرى اشباح ماضيه الذي ارقه طوال حياته في المنافي.
ان هكذا كتابة تكون طاردة للنقاد الذين يبحثون عن مساحات تناسب قياس مساطرهم الثقافية ,على الرغم من متعتهم اثناء القراءة ولكنها تجذب القارئ وتعرفه ببواطن التجربة وتشوقه للقراءة دون توقف وهذا ما تفعلة روايات "سلام ابراهيم" لانها سليلة حكايات الجدات والامهات وبسطاء البشر في الديوانية وسط البلاد التي تحكمها قسوة التجارب الدامية لذا نجد ان البطل واحد والتجربة تتكرر ضمن حكايات متنوعة انه بطلنا الثوري بفرديته ونوازعه الغريبة احيانا والجريئة دوما دون توقف ,انها تجربة اثثت السرد والحكايا ولكنها اعطبت الجسد بالجروح الحقيقية والنفسية وهو الذي تعرض لعطب الرئة بالقصف الكيمياوي في زيوه بمحافظة دهوك الا انه يصر على التدوين وكانه يبيع ثمرة الرقي/ البطيخ شرط السكين كاشفا عن بطن الثمرة مهما كان مذاقها او لونها طامحا ان تكون ثمرة حلوة حمراء هشة تليق بلحظة التذوق التي سرعان ما تزول الا انها لحظة تسجيل وهو يعيش في الفقاعة قبل ان تنفجر.
وتسجل لسلام ابراهيم ميزة خاصة تشير اليه وتعرف به الا وهي حكي القصص على طول الخط فان توقف الراوي يستلم السرد الاخرون المحيطون به ,اننا امام حكايات وحكايات وهذا الفن السردي موجود في تجربة الروائي السوري حنا مينا ,وجنح اليه بعض من كتابنا في العراق كما فعل الروائي "فاضل القيسي" في روايته "سلمون عراقي"وهذا لا يعني ان الكتاب الاخرون لا يعتمدون على تجربتهم الشخصية ولكن طبيعة التناول تختلف من كاتب الى اخر فالروائي فلاح رحيم في خماسيته الروائية التي بدأها ب" القتافذ في يوم ساخن"حيث يعتمد الذاكرة والبطل واحد اسمه سليم ولكن ادارة السرد والحبكة تشيران الى معالجة مغايرة تعتمد فن السيناريو وكانها كتبت للسينما كما كان يفعل الروائي نجيب محفوظ .وواحدة من التفريعات الخاصة بالروائي سلام ابراهيم تعامله مع الجنس بصورة مكشوفة تراعي الذائقة الشهوانية الشرقية لابن الديوانية /العراق/ الشرق الاوسط وانبهاره بالعيون الزرق والاجساد البضة والرشاقة وسط انكشاف مرئي امام محروم ابدي بسبب الذاكرة القمعية الشرق اوسطية وهو يعتني تماما بالوصف في هذه المنطقة السردية اكثر من اية منطقة اخرى(كان يحملق في قسماتها المنتشية في ذروة الرقص وهي تغرز فيه عينيها الزرقاوين اللامعتين ملاحقة حركة جسده تارةوايقاع الوجه في اخرى..تلاصقا ..افترقا ..تدافعا..تشابكا..لف الواحد منهما حول الاخر ص 344).
او في مشهد اخر(اصبح جوارها وجد الغطاء منزلقا وهي منقلبة على الجنب مظاهرة وقفته ,فتجسد تموجها المثير ..رهافة القدمين ,متانة الفخذين ,كتلة الردفين البارزين ,منخفض الخصر ,استقامة الظهروالشعر المنسدلبخصلاته الذهبية حتى حافة السجادة ص 347).
يذهب الروائي "سلام ابراهيم " لاقحام بطله ابراهيم في خضم الجنس والانتقال الى حيوات بعيدة وجديدة عن حياته الجافة العتيقة ليتخلص من ذاكرته القديمة(القدر رحمك فحياتك العنيفة الصلبة الجافة التي قضيتها بين المعتقل والخوف وجبهات القتال ,سواء كجندي او ثائر تجد خضرتها هنا في زوايا روسيا ,التي احببتها كل عمرك .من اشعار بوشكين ,وروايات "ديستوفسكي"و"تولستوي"و "لينين"و"بلخانوف" وكتبهم التي كنت تقرأها بشغف ص 333).
ان جل مسعى الروائي سلام او البطل "ابراهيم ان يعيش لحظته لانه لا يثق بالقابل من الايام (وبالنسبة لك انت في القمة و"شاكر ميم" المصور الزنجي وضعك في رحم الفقاعة ,فلا تبتئس يا صاحبي ,وكن جديرا بهذا الجوف الدافئ الخاطف الممتع!.ص 333).
تبقى اعمال الروائي سلام ابراهيم مثيرة للجدل فنيا وسرديا وتحتاج الى اكثر من وقفة نقدية مع ازدياد اعداد الروايات العراقية بعد عام 2003 والمتغيرات الدرامية التي احاطت بالبلاد.

الاطاحة بـ 329 مسؤولاً في وزارة الكهرباء بسبب "ضائعات الجباية"
15-نيسان-2026
حراك نيابي لملاحقة مستثمري المجمعات السكنية المتلكئة
15-نيسان-2026
العراق السابع عربيا بتصنيف الأساطيل البحرية لعام 2026
15-نيسان-2026
ترمب: نميل للذهاب إلى مفاوضات جديدة في باكستان
15-نيسان-2026
خفايا تأجيل اجتماع الحسم.. من يملك مفتاح قصر حكومة 2026؟
15-نيسان-2026
تقرير أمريكي حول العراق: الحرب الاقليمية تكشف هشاشة السيادة ويهدد بخيارات بين التقشف والانهيار
15-نيسان-2026
أزمة المولدات الأهلية في بغداد: صراع «التسعيرة الرسمية» واستقواء أصحاب المولدات على المواطن
15-نيسان-2026
أرنولد: رحلة التصفيات عززت الثقة بالمنتخب العراقي على إحراج المنتخبات الكبرى
15-نيسان-2026
إجراء احترازي لحماية مبابي في مباراة ريال مدريد وبايرن ميونخ
15-نيسان-2026
حق المواطن العراقي في نزاهة الإعلان التجاري
15-نيسان-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech