بغداد – العالم
بين عتمة “القمرة” الخشبية في عشرينيات القرن الماضي، وبريق “السحابة الرقمية” في العصر الحديث، تختزل مدينة كربلاء قرناً كاملاً من التحولات في مسار الأرشفة البصرية، لتقدم نموذجاً عراقياً فريداً في حماية الذاكرة الجماعية من الضياع. لم يعد التصوير مجرد وسيلة توثيق عابرة، بل تحول إلى مشروع وطني وثقافي متكامل، تشارك فيه مؤسسات دينية، ومراكز بحثية، ومبادرات شبابية، بهدف تحصين الهوية العراقية في وجه النسيان. تاريخياً، ارتبطت بدايات التصوير في كربلاء بمتطلبات إدارية واجتماعية رافقت نشوء الدولة العراقية الحديثة. ففي عشرينيات القرن الماضي، استخدم المصورون الأوائل تقنيات بدائية مثل “القمرة” لتوثيق صور المواطنين لأغراض رسمية، فيما كانت “الصورة الشمسية” شرطاً أساسياً في المعاملات الحكومية. ومع مرور الوقت، لم يعد التصوير مجرد أداة قانونية، بل أصبح وسيلة لرصد ملامح المجتمع وتوثيق تحولات المدينة. وبرزت أسماء رائدة أسهمت في ترسيخ هذا الإرث، من بينها المصور محمد كاظم الهندي الذي يعد من أوائل من وثقوا الحياة في كربلاء، إلى جانب جون هنري هاينز الذي التقط صوراً دقيقة لأسوار المدينة في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى لطيف العاني الذي وثّق التحولات الاجتماعية في العراق خلال القرن العشرين، حتى لُقب بـ”أبو التصوير العراقي”.
ومع تطور الزمن، انتقلت عملية حفظ الذاكرة من الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي، حيث لعبت العتبة الحسينية المقدسة دوراً محورياً في هذا المجال عبر إنشاء متاحف ومراكز متخصصة. ويبرز متحف العتبة الحسينية بوصفه مركزاً بحثياً وتوثيقياً متكاملاً، يعمل على صيانة المخطوطات والصور النادرة، وتحويلها إلى نسخ رقمية تضمن استدامتها. كما يمثل مركز الإمام الحسين للمخطوطات والتحقيق خطوة متقدمة في مأسسة الأرشفة، إذ يعتمد تقنيات حديثة لمعالجة الوثائق المتضررة، وتحويلها إلى صيغ إلكترونية متاحة للباحثين، بالتعاون مع خبرات دولية لضمان مطابقة المعايير العالمية. وفي إنجاز نوعي، نجحت هذه المؤسسات في استعادة وثائق نادرة من الأرشيف العثماني، ما أتاح قراءة أعمق لتاريخ كربلاء العمراني والإداري، بما في ذلك معاهدات تاريخية مثل “أرضروم 1847”. كما شهدت المدينة افتتاح “متحف الذاكرة البصرية”، الذي يضم آلاف الكاميرات التاريخية، ويجسد تطور تقنيات التصوير عبر أكثر من قرن. بالتوازي مع هذا الجهد المؤسسي، برز حراك شبابي نشط يسعى إلى إنقاذ الأرشيف العراقي من الضياع، من خلال مبادرات رقمية مثل “الأرشيف العراقي للمطبوعات” و“سينماتيك العراق”، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى متاحف مفتوحة تتيح للجمهور الاطلاع على الصور والوثائق التاريخية بسهولة. هذا التحول الرقمي لم يكن ترفاً، بل ضرورة فرضتها التحديات التي تعرض لها الأرشيف العراقي، خاصة خلال فترات الاضطراب التي شهدت ضياع ونهب الكثير من الوثائق. لذلك، باتت الأرشفة الرقمية تمثل “ملاذاً آمناً” يحفظ الذاكرة من التدمير أو الفقدان.
ومع دخول تقنيات حديثة مثل الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، أصبح بالإمكان إعادة إحياء المواقع التاريخية رقمياً، وتمكين الزائر من “التجول” داخلها افتراضياً، في تجربة تجمع بين التعليم والترفيه. كما أسهمت تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد في توثيق أدق التفاصيل المعمارية، ما يوفر سجلاً رقمياً يمكن الرجوع إليه في حال تعرض هذه المواقع لأي خطر. ورغم هذه الإنجازات، لا تزال التحديات قائمة، من نقص التمويل إلى ضعف البنية التحتية، فضلاً عن الحاجة إلى تشريعات تحمي الملكية الفكرية للأرشيف الرقمي. ومع ذلك، فإن تكامل الجهود بين المؤسسات الرسمية والمبادرات الشبابية يمثل نقطة قوة حقيقية في هذا المسار.