الثقافة هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء. هذ أحد تعريفات الثقافة. وهو تعريف لا يغني شيئا في مقاربة ذلك المفهوم العويص. لكنني اجده نافعا في تقييم الناس والأعمال وحتى الطبيعة. فاذا قرأت كتابا ولم يبق في رأسي منه شيء بعد سنوات بل الفراغ التام فاني لا انسبه الى عائلة الكتب المحترمة.
ينطبق ذلك على الناس. فاذا لم يخلف فيك الشخص الذي عرفته اثرا تحمله معك على الدوام حتى اذا ابتعد أو مات فانه ينتمي الى اسرة العابرين الذين لاتركوا نفعا ولا ضرا.
والأثر الذي اقصده ليس شرطا ان يكون عملا ابداعيا او فكرة لامعة، بل اشياء مثل طريقة مشي، اسلوب كلام، هندام، طبخ، روح دعابة، ملمح حزن او مساعدة.. اي ملمح لا تستطيع ان تنساه. ونفس الشيء اقوله في العمران والحيوان والمدن والطبيعة. وبهذا المقياس انسب المدينة القديمة في دمشق الى ”الثقافة“ واحذفه من مدينه لم تخلف في نفسي اثرا مثل واشنطن. في الاولى كأنني اعود الى الرحم، حيث بهجة الاطمئنان العميق وسعادة المشي بقلب خفيف كالهواء. ومع الثانية لم اسعد الا لحظة مغادرتها في المطار.
خطر لي ذلك وانا اتصفح مقابلة مع بول بريمر قبل ان ابدأ كتابة هذه الكلمات. لم اقرأها. وقد اقراها في المساء او لا افعل. لكنني واثق من ان الرجل وما يقول محذوف من مقياسي. فلقد قرأت كتابه (سنتي في العراق) بامعان، وهو كتاب لابد من قراءته لمن شاء ان يفهم ذلك المنعطف الاستثنائي في تاريخ العراق وربما المنطقة والعالم.
ورغم ذلك فان الرجل لم يخلف في نفسي انطباعا مؤثرا. كان رجلا اداريا عاديا عديم الموهبة والكفاءة. لم يقل كلمة او جملة تمكن نسبتها الى التاريخ العميق، بل كان اشبه بمفكرة رجل اداري. مفكرة تستمد اهميتها فقط من احداث مهمة تولت تدوينها. لكنه لا يعطيك ملمحا يغور ويخلد في ذاتك. حرام على سبيل المثال ان تقارنه برجل احتل مكانة في اليابان مناظرة لمكانته في العراق.
اعني الجنرال ماك آرثر الذي احتل اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية. كان هذا الاخير صاحب رؤية نفذها خلال قيادته لليابان. وقد لخص رؤيته بهذه الكلمات التي انسبها للبقاء: ”وفقاً للمقاييس الحضارية يمكن القول أن اليابانيين أطفال في الثانية عشرة من عمرهم موازنة بالأميركيين الناضجين حضارياً، الذين بلغوا الخامسة والأربعين من عمرهم“. ومع هؤلاء الاطفال كان عليه وقد استطاع ”زراعة المفهومات الأساسية في اليابان مثل احترام السلطة وقوة المؤسسات“.
اما صاحبنا قليل الحظ من المعرفة والارادة والكفاءة فكان على العكس من ذلك تماما، كان يتعلم من الاطفال في عالم ما قبل السلطة المحترمة وما قبل المؤسسات. ولم يزد ما تعلمه عن رؤية العراق مفككات طائفية وإثنية فأصبح البلد على يديه مفخخات حربية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، لا تعرف معها متى تهدأ، ولا اي سكة سيسلك البلد عندما تهدأ. ومن هذا اللقاء بين عالمين لم تقدح شرارة تنوير، بل عنفا ومحاصصة وفسادا لا أول له ولا اخر.
وكان الرجل عينة يمكن تعميمها على جميع الادارة السياسية والعسكرية في العراق. فهناك عشرات الانواع من اميركا. النوع الأسوأ والأفسد منها هو الذي وصل العراق. ولما كنا نحن من ذلك المعدن فقد ”وكع الحديد على الحديد ورن“.
الأمر المطمئن اذن في حالة بول بريمر هو انتسابه الى عائلة الزوال. فهذا يعني ان نتائج اعماله ايضا الى زوال. شدتها فقط الخمسين سنة المقبلة. نحتاج بعدها الى خمسين اخرى لفهم ما حدث وتجنب تكرار ما حدث. وفي الخمسين الثالثة ستغرد الأجيال بالغناء الذي يبقى بعد نسيان كل شيء.