محمد عبد الجبار الشبوط
الفصل السادس
المجتمع العراقي والديمقراطية المعاقة
تُعدّ المجتمعات الركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي، إذ لا يمكن للديمقراطية أن تعمل بكفاءة في غياب مجتمع يمتلك مستوى كافيًا من الوعي السياسي، والالتزام القيمي، والقدرة على التمييز بين الخطاب المسؤول والخطاب الشعبوي. وفي العراق، أدى التداخل بين الإرث السياسي الممتد لعقود من الاستبداد، والانقسامات الهوياتية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية المضطربة، إلى نشوء بيئة اجتماعية لم تستطع أن تنتج ثقافة ديمقراطية راسخة، ما ساهم بشكل مباشر في تعطيل مظاهر الديمقراطية وتحويلها إلى بناء شكلي هش لا يستند إلى قاعدة مجتمعية صلبة.
ورث المجتمع العراقي بنية نفسية واجتماعية مثقلة بآثار القمع السياسي الذي مارس النظام السابق، وما تركه من خوف وانعدام ثقة وشعور بالعجز تجاه الدولة. وقد أدى هذا التاريخ القاسي إلى ضعف القابلية للمشاركة السياسية الحرة، وإلى تفضيل كثير من الأفراد الانخراط في شبكات الحماية الاجتماعية أو الطائفية أو العشائرية بدل المشاركة المدنية الواسعة، لأن هذه الهياكل التقليدية توفر الأمن والانتماء أكثر مما توفره الدولة. وبهذا، أصبحت الهويات ما قبل الوطنية أوسع تأثيرًا من الهوية الوطنية الحديثة التي تُعد شرطًا لعمل النظام الديمقراطي.
ومع سقوط الدولة في 2003، واجه المجتمع فجأة حالة فراغ مؤسسي وفوضى أمنية وهوياتية، فوجد كثير من المواطنين أنفسهم يلجأون إلى الانتماء الطائفي أو القومي أو العشائري بحثًا عن الأمان، لا عن المشاركة المدنية. وقد ساعد هذا التحول في تعميق الانقسام، وغذّى الخطاب الهوياتي الذي تبنته أغلب الأحزاب السياسية، ما أدى إلى انفصال المجتمع عن مفهوم «المواطن» في الدولة الحديثة، وارتباطه بمفهوم «العضو» في جماعة معينة. وهذا الانحراف شكّل أحد أهم مصادر العجز الديمقراطي، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تُبنى فوق جماعات متصارعة، بل فوق مجتمع يتقاسم هوية وطنية جامعة.
كما أسهم ضعف التعليم، وتراجع دور المدرسة والجامعة كمؤسسات لتشكيل العقل النقدي، في إضعاف قدرة المجتمع على التعامل الواعي مع العملية السياسية. فالمنظومة التعليمية التي كان يُفترض أن تكون البوابة لتكوين المواطن المسؤول، تحولت عبر السنوات إلى منظومة مكدّسة بالجمود، تعيد إنتاج المعرفة دون تحليل، وتفتقر إلى ترسيخ قيم الحرية والعدالة والمساواة والمسؤولية، وهي قيم جوهرية في بناء الوعي الديمقراطي. وبدون تعليم قيمي/حضاري حديث، لا يمكن للمجتمع أن يطوّر قابلية المشاركة الديمقراطية الواعية.
وكان للإعلام السياسي دور بارز في تشكيل الوعي العام، ولكن هذا الدور جاء في اتجاه يعمّق الانقسام ويضعف الثقافة الديمقراطية. فالإعلام الحزبي الذي هيمن بعد 2003 لم يقدّم للمجتمع خطابًا وطنيًا جامعًا، بل ساهم في الترويج لخطابات متصارعة، قائمة على التحريض والتعبئة الهوياتية، ما أدى إلى تشكل «وعي منقوص» يتعامل مع الديمقراطية بوصفها وسيلة لحماية الجماعة لا بوصفها منظومة وطنية لبناء الدولة. وقد أدى ذلك إلى تآكل ثقة المجتمع بالعملية السياسية وازدياد الشعور بأن الدولة غير قادرة على تمثيل الجميع.
كما أسهم الوضع الاقتصادي الصعب، وانتشار البطالة، واتساع ظاهرة الفساد، في خلق علاقة زبائنية بين المواطن والدولة، حيث لجأ الكثيرون إلى الاعتماد على الحزب أو الجماعة للحصول على الوظيفة أو الخدمة أو الحماية. وفي بيئة كهذه، تصبح الديمقراطية رهينة المصالح الاقتصادية الضيقة، ويصبح المواطن أكثر استعدادًا لقبول شبكات الولاء الفئوية على حساب المشاركة الوطنية الواسعة. وهذا النمط الزبائني يُعد أحد أبرز عوامل تعطيل التمثيل الديمقراطي الحقيقي، لأنه يحول المواطن من عنصر فاعل إلى عنصر تابع.
كما أن الانقسامات الطائفية التي تراكمت خلال سنوات العنف والصراع المسلح خلقت جروحًا اجتماعية عميقة أثرت على قدرة المجتمع على التعايش ضمن دولة واحدة. فالثقة الاجتماعية التي تُعدّ أساسًا للمجتمع الديمقراطي تعرضت لضربات كبيرة، وأصبح من الصعب بناء توافقات وطنية واسعة في ظل ذاكرة جماعية مثقلة بالصراع والألم. وفي مثل هذه الظروف، يتراجع دور الحوار والعقلانية، ويتقدم دور الخطاب المتشدد، ما يؤثر حتمًا في المشاركة السياسية وفي قدرة الديمقراطية على الاستمرار.
ولا يمكن تجاهل أثر التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الذي ازداد حدّة بعد 2003. فالديمقراطية تتطلب درجة من العدالة الاجتماعية التي تسمح للجميع بالمشاركة، لكن الواقع العراقي شهد ترسيخًا لفئات تمتلك النفوذ والموارد مقابل فئات واسعة تفتقر إلى الخدمات الأساسية. وهذا التفاوت يعمّق الشعور بالظلم، ويقلل من ثقة المجتمع بالدولة، ويجعل العملية السياسية تبدو بعيدة عن احتياجات المواطن اليومية، ما يضعف المشاركة ويزيد العزوف عن الانتخابات ويعزز الاتجاهات السلبية تجاه الديمقراطية.
إنّ المجتمع العراقي، بكل تعقيداته وهوياته وتناقضاته، لم يُمنح الوقت الكافي ولا البيئة المناسبة لتشكيل ثقافة ديمقراطية راسخة، كما لم يحصل على منظومة تعليمية وإعلامية واقتصادية قادرة على إنتاج «المواطن الديمقراطي» الذي تقوم عليه النظم الحديثة. ولهذا، فإن اختلال الوعي الجمعي، وتآكل الثقة العامة، وشبكات الولاء الهوياتي، ومحدودية المشاركة الوطنية، كلها عوامل أسهمت في إنتاج ديمقراطية معاقة، بلا قاعدة اجتماعية قادرة على حمايتها.
بهذا، يشكل المجتمع العامل الثالث في مثلث الانحراف الديمقراطي، إلى جانب الدستور والأحزاب، وهو عامل جوهري في تفسير ضعف التجربة الديمقراطية. فالديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في مجتمع ممزق، ولا أن تعمل في بيئة الوعي فيها منقوص، ولا أن تستمر من دون قيم عليا تجمع المواطنين على مفهوم الدولة والحضارة. وسيُظهر الفصل السابع كيف تحولت كل هذه العوامل الاجتماعية والسياسية إلى مظاهر عملية للانحراف الديمقراطي في مؤسسات الدولة وفي الحياة السياسية اليومية.
الفصل السابع
مظاهر الانحراف الديمقراطي في التطبيق
تكشف التجربة العراقية بعد 2003 عن تباين حاد بين الشكل الديمقراطي الذي تنص عليه القوانين والدستور، وبين المضمون الفعلي الذي تمارسه القوى السياسية والمؤسسات الرسمية. وهذا التباين هو التعبير العملي الأوضح عن «الانحراف الديمقراطي»، الذي لا يُقاس بالكلمات والنصوص، بل بما يجري على الأرض من ممارسات تُعطّل الإرادة الشعبية، وتُضعف مؤسسات الدولة، وتُفرغ الديمقراطية من مضمونها. وقد تراكمت مظاهر هذا الانحراف عبر السنوات لتشكّل منظومة متكاملة تعيد إنتاج الأزمة بدل معالجتها.
أبرز مظاهر هذا الانحراف هو تعطيل الإرادة الشعبية عبر استخدام آليات سياسية تمنع من ترجمة نتائج الانتخابات إلى تمثيل حقيقي في السلطة. فبدل أن يقود الفوز في الانتخابات إلى تشكيل حكومة تعكس إرادة الأغلبية البرلمانية، تحوّلت العملية السياسية إلى مفاوضات طويلة تُعاد فيها صياغة النتائج وفق مبدأ المحاصصة، لا وفق المبدأ الديمقراطي. وهذا المسار جعل الانتخابات خطوة شكلية لا تنتج تداولًا فعليًا للسلطة، بل تُستخدم لإعادة إنتاج نفس التوازنات السياسية، ما أفقد الناخبين الثقة بجدوى المشاركة.
كما يتحقق الانحراف الديمقراطي من خلال تعطيل الوظيفة الرقابية للبرلمان، إذ تحوّل مجلس النواب في كثير من الأحيان إلى ساحة تفاوض بين الكتل السياسية، بدل أن يكون مؤسسة رقابية وتشريعية مستقلة تمثل المجتمع. فالمحاصصة التي تُنظّم عمل الحكومة تمتد تلقائيًا إلى البرلمان، حيث تتوزع رئاسته ولجانه وفق توازنات سياسية لا تعكس أولويات التشريع والرقابة. وقد أدى ذلك إلى إضعاف الرقابة على السلطة التنفيذية، وتعطيل القوانين الأساسية، وتراجع قدرة البرلمان على ممارسة دوره الدستوري، ما أدى إلى تآكل مبدأ الفصل بين السلطات.
ومن مظاهر الانحراف أيضًا تحول الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى حصص حزبية، إذ لم تُدار الدولة وفق مبدأ الكفاءة أو الخدمة العامة، بل وفق مبدأ «الاستحقاق السياسي». وأدى ذلك إلى ربط كل وزارة أو هيئة بجهة حزبية تتحكم بالقرارات والتعيينات والموارد، ما جعل الإدارة الحكومية خاضعة لتوازنات القوى بدل أن تكون مؤسسة مهنية محايدة. وقد أدى هذا النمط إلى انتشار الفساد الإداري والمالي، لأن السيطرة الحزبية على المؤسسات جعلت الكثير من مواقع الدولة جزءًا من الاقتصاد السياسي للأحزاب، لا جزءًا من منظومة الدولة.
ويتجلى الانحراف كذلك في ضعف استقلال السلطة القضائية، إذ تواجه المؤسسة القضائية ضغوطًا سياسية مباشرة وغير مباشرة، تمنعها أحيانًا من أداء دورها في حماية الدستور ومساءلة المسؤولين. وقد أدى غياب المحكمة الدستورية العليا إلى تفاقم هذا الضعف، لأن غياب مرجعية قضائية عليا يفتح المجال لتناقض في القرارات، ويُتيح للقوى السياسية استخدام القضاء في صراعاتها بدل أن يكون القضاء هو الحَكَم المحايد. وهذا الاختلال يقوض جوهر الدولة الحديثة، ويجعل القانون عرضة للتأويلات السياسية بدل أن يكون قاعدة مستقرة تُطبق على الجميع.
وتبرز مظاهر الانحراف في العملية الأمنية أيضًا، حيث تتداخل السلطات بين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة غير الرسمية. فوجود جماعات مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة، أو مرتبطة بأحزاب سياسية، خلق بيئة أمنية غير متوازنة سمحت لبعض القوى بممارسة نفوذ يفوق نفوذ المؤسسات الشرعية. وهذا الاختلال يُعدّ من أشد مظاهر الانحراف خطورة، لأنه يجعل الدولة غير قادرة على احتكار العنف المشروع، ويُضعف قدرة الحكومة على فرض القانون، ويعطي لبعض الأطراف قدرة غير متناسبة على التأثير في القرار السياسي.
كما يظهر الانحراف في تعطيل المشاريع والقوانين الإصلاحية بسبب التوازنات السياسية، فالكثير من التشريعات الضرورية لبناء الدولة الحديثة بقيت مؤجلة لسنوات طويلة، لأن تمريرها يتطلب توافقًا بين الأطراف المتصارعة، لا مجرد أغلبية برلمانية. وبهذا، أصبحت العملية التشريعية جزءًا من الصراع السياسي بدل أن تكون أداة لتنظيم المجتمع. كما أدى هذا إلى تراكم الأزمات، وتعطّل خطط التنمية، وضعف الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن مظاهر الانحراف كذلك استخدام الدولة كمساحة لتوزيع الموارد، بدل أن تكون أداة لتحقيق التنمية. فالإنفاق العام كثيرًا ما يخضع لمنطق المساومات السياسية، لا لمنطق التخطيط الاقتصادي الحديث، ويتم توزيع المشاريع وفق نفوذ الأحزاب ومناطق تمثيلها، لا وفق الحاجة التنموية أو العدالة الاجتماعية. وهذا الاستخدام السياسي للموارد رسّخ الفساد، وعطّل التنمية، وأدى إلى تراجع الخدمات الأساسية، ما أثّر مباشرة على ثقة المجتمع بالدولة وبالمسار الديمقراطي.
كما يتجلى الانحراف في استغلال الخطاب الديني أو الهوياتي لتحقيق مكاسب سياسية، إذ يُستخدم هذا الخطاب لجذب الناخبين وتحشيدهم على أساس الانتماء بدل البرامج. وهذا الأسلوب يُنتج مشاركة سياسية قائمة على العاطفة والانقسام، لا على العقلانية والمصلحة العامة، ما يضعف الوعي الديمقراطي ويكرّس الانقسام المجتمعي. كما أن هذا النوع من الخطاب يجعل العملية السياسية عرضة للتعبئة السريعة، ويُغذي النزاعات بدل أن يحلّها.
إنّ تراكم هذه المظاهر عبر عقدين أنتج نظامًا سياسيًا يعمل خارج قواعد الديمقراطية الصحيحة. فهو نظام يقوم على المحاصصة، لا على التمثيل؛ وعلى النفوذ، لا على الشرعية؛ وعلى الترضيات السياسية، لا على حكم القانون؛ وعلى توزيع المناصب، لا على مؤسسية الدولة؛ وعلى التوافقات الفوقية، لا على الإرادة الشعبية. وبذلك أصبح الانحراف الديمقراطي بنية قائمة بحد ذاتها، تُعيد إنتاج نفسها في كل دورة سياسية، وتمنع أي إصلاح حقيقي من النفاذ إلى عمق النظام.
يمهّد هذا الفصل للانتقال إلى الفصل الثامن، الذي سيضع التجربة العراقية في إطار مقارن مع نماذج ديمقراطية ناجحة وأخرى شهدت انحرافات مشابهة، لاستخلاص الدروس وتحديد مكان التجربة العراقية ضمن السياق العالمي.