بعد رحيل التحالف.. العراق أمام معركة بناء القوة العسكرية

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
بعد رحيل التحالف.. العراق أمام معركة بناء القوة العسكرية

بغداد – العالم

لا ينتهي التحدي الأمني في العراق بانتهاء مهمة التحالف الدولي، بل يبدأ معه اختبار مختلف عنوانه: هل تستطيع الدولة بناء منظومة دفاعية متكاملة تحمي أجواءها وحدودها وتفرض قرارها العسكري، من دون أن تبقى قدراتها مرتبطة بطرف دولي واحد؟ هذا السؤال يفرض نفسه بقوة مع انتقال العراق إلى مرحلة جديدة تتطلب إعادة ترتيب أولويات التسليح وتطوير المؤسسة العسكرية، في وقت يتداخل فيه القرار الدفاعي مع حسابات سياسية تتعلق بمصادر السلاح وشكل العلاقات الخارجية.

وتابعت «العالم» مسار هذا الملف، الذي وضعته الحكومة في مقدمة أولوياتها، ولا سيما تطوير منظومة الدفاع الجوي، في ظل إعلان رئيس الوزراء علي الزيدي التوجه نحو شراء منظومة متكاملة قادرة على تعزيز السيطرة على الأجواء العراقية. وتكشف هذه الخطوة أن احتياجات العراق لم تعد تقتصر على تعزيز أعداد الأسلحة والمعدات، وإنما باتت مرتبطة ببناء منظومة متكاملة تشمل الرادارات ووسائل الاعتراض ومراكز القيادة والسيطرة والتدريب والصيانة.

وتبرز أهمية الدفاع الجوي في مرحلة ما بعد التحالف باعتباره أحد أكثر عناصر القوة العسكرية ارتباطاً بمفهوم السيادة. فامتلاك القدرة على مراقبة المجال الجوي والتعامل مع الطائرات والمسيّرات والصواريخ لا يمثل مجرد تطوير تقني، بل يتعلق بقدرة الدولة على معرفة ما يدخل أجواءها وما يخرج منها، واتخاذ القرار بشأن أي تهديد من دون الاعتماد الكامل على منظومات خارجية.

وتشير الخطط الحكومية إلى محاولة تسريع برنامج تطوير الدفاع الجوي، وتقليص المدة الزمنية المقررة لاستكماله، بالتوازي مع الاتصالات الفنية والعقود المبرمة مع شركات أجنبية. غير أن بناء هذه القدرة لا يمكن اختزاله بسرعة التعاقد، لأن المنظومة تحتاج إلى سنوات من التدريب والتشغيل والصيانة وتوفير قطع الغيار ودمج المعدات المختلفة ضمن شبكة قيادة وسيطرة واحدة.

وفي الجانب الآخر، يواجه ملف التسليح نقاشاً سياسياً متزايداً بشأن هوية الشركاء العسكريين الذين سيعتمد عليهم العراق في المرحلة المقبلة. فقد برزت دعوات داخل قوى سياسية إلى إنهاء ما تصفه بالاعتماد أو الاحتكار الأميركي في مجال تسليح القوات العراقية، والدفع نحو تنويع مصادر السلاح والانفتاح على دول أخرى.

لكن هذه الرغبة السياسية تصطدم بحقيقة فنية لا يمكن تجاهلها، وهي أن جانباً مهماً من قدرات الجيش العراقي الحديثة ارتبط خلال السنوات الماضية بالتدريب والتجهيز والخبرة الأميركية. وبالتالي فإن الانتقال المفاجئ إلى منظومات جديدة لا يعني تغيير جهة التعاقد فحسب، بل يستلزم إعادة بناء منظومات التدريب والصيانة والتشغيل، وضمان توفر قطع الغيار والتوافق بين الأسلحة والمعدات.

ورصدت «العالم» أن التحدي الأكبر أمام بغداد يتمثل في تحقيق توازن بين استقلال القرار العسكري والحاجة إلى الخبرة والتقنيات المتقدمة. فتنويع مصادر السلاح يمكن أن يمنح العراق خيارات أوسع، لكنه في الوقت نفسه قد يزيد من تعقيد منظومة التشغيل إذا لم تتم عملية الاختيار وفق رؤية عسكرية موحدة تضع احتياجات القوات وقدرتها على الاستدامة في مقدمة الاعتبارات.

ويزداد الملف حساسية مع ارتباطه بملف آخر لا يقل أهمية، يتمثل في حصر السلاح بيد الدولة. فالحكومة تواجه في المرحلة المقبلة مسارين متوازيين: الأول بناء مؤسسات عسكرية أكثر قدرة على حماية البلاد، والثاني إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة بما يضمن أن يكون القرار العسكري ضمن المؤسسات الرسمية. وقد حددت الحكومة سقفاً زمنياً لاستكمال خارطة طريق حصر السلاح، بالتزامن مع الانتقال إلى مرحلة ما بعد التحالف.

وهنا تتضح الصورة الأوسع؛ فالعراق لا يواجه معركة شراء أسلحة بقدر ما يواجه عملية إعادة بناء للعقيدة الدفاعية وآليات اتخاذ القرار العسكري. فالجيش القادر على حماية الأجواء يحتاج إلى منظومة قيادة موحدة، ومؤسسات استخبارية متطورة، وقوة جوية ودفاع جوي متكاملين، فضلاً عن موارد مالية تضمن استمرار هذه القدرات وعدم تحولها إلى صفقات منفصلة تفتقر إلى الاستدامة.

 

كما أن تجارب السنوات الماضية، وما رافق بعض صفقات التسليح السابقة من إشكالات وتأخير وتهم فساد، تجعل ملف المشتريات العسكرية بحاجة إلى رقابة مؤسساتية دقيقة، خصوصاً أن عقود الدفاع من أكثر الملفات كلفة وحساسية، وأي خطأ فيها لا يقاس بخسارة مالية فقط، بل قد ينعكس على قدرة الدولة في مواجهة التهديدات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل !!