عبده وازن
بعيداً من التهم التي كيلت للرواية، ولا تزال مجرد تهم تحتاج إلى شواهد تثبتها، ويقال إن ثمة موقفاً عنصرياً حيالها او انّ صراعاً في كواليس الجوائز بين دور النشر، خصوصاً أن دار غراسيه “المتهمة” هي الناشرة، تبدو الرواية راهنة جداً وملحّة بما تطرح من أسئلة شائكة حول المهاجرين الهائمين بين الحدود والحواجز والمخيمات، والذين يعيشون أحوالاً من الذل والبؤس، منتظرين ما يسميه الروائي أورليان نفسه “اللامستقبل الانساني”.وفعلاً، من يقرأ الرواية الفريدة هذه، يدرك للحين أن من الصعب على الذكاء الاصطناعي أن يروي الرحلة الشاقة التي قام بها البطل الهايتي جوناس دورليان، بل أن يستوعب معنى أن يختبر هذا الشاب ابن الـ 29، الهارب من بلدة كارفور فوي في مدنية بور أو برنس، التي تحولت “مرمدة ضخمة” بعدما غزتها عام 2023 “العصابات المنظمة”، وأحرقت منازلها وحقولها ومحالها، موقعة آلاف الضحايا. ووصفت الأمم المتحدة المقتلة العنيفة هذه بـ “الكابوس الحي”.
ربما استعان الروائي أورليان بما يسميه هو في الرواية “غوغل ماب”، ليرسم بدقة طرق الهرب التي سلكها البطل جوناس، عبر حدود البلدان والمدن والقرى والأودية والجبال والسهول، التي تمتد نحو 12 ألف كيلومتر، انطلاقاً من بور أو برنس في هايتي وصولاً إلى مونتريال، محققاً حلمه الكندي بعد خيبة حلمه الأميركي، الذي عبره عبوراً سريعاً.
أما بلدان الخريطة التي اجتاز حدودها وحواجزها هذا المهاجر غير الشرعي، الذي لا يملك سوى جواز سفر بلبين الروائيينا صلاحية، فهي جمهورية الدومنيكان، البرازيل، كولومبيا، بنما، البيرو، غواتيمالا، الهندوراس، المكسيك، الولايات المتحدة، كندا، وفي هذه الرحلة القاسية بدا البطل “مواطن حدود”، بل مواطن حواجز، مواطن مخيمات ومراكز إيواء موقت، وليس مواطن مدن، ما خلا مدينة سانتو دومنغو في الدومنيكان التي أمضى فيها وقتاً منتظراً، وعمل فيها ماسح أحذية، وهناك يقول “لست حتى الآن مهاجراً، ما زلت هارباً”.
وربما احتاج الروائي أورليان إلى “غوغل” والذكاء الاصطناعي ليرصد أسماء الأماكن الموزعة وسع خريطة هجرته، وأسماء الحدود وبلدات الحدود والأنهار والوديان والمدن الصغيرة والأحياء، وما أكثرها.
انطلق البطل جوناس دورليان هارباً من الحي المحترق في كارفور فوي، حاملاً حقيبة صغيرة (كارفور) ستكون رفيقه الدائم ومحط اهتمامه، وقد وضع فيها شهادة الدبلوم، سروالاً داخلياً نظيفاً، صورة أمه، ودفتراً يكتب فيه قصائد “لن يقرأها أحد”، وكتاباً للشاعر والروائي الهايتي الفرنكوفوني المعروف، رينه ديبتر، الذي تخطى الـ 100 عام، وفي سياق كلامه عنه، هو المتأثر به، يورد له مقاطع من قصيدة: “ولدت أسود وهايتياً/ كلمتي ملتصقة بدمي/ وكل خطوة تذكرني/ أن المنفى هو لغة تقضن الأقدام”.
ولئن بدت رواية “كان هذا أو الموت” حافلة بالمواقف الساخرة والهازئة والعبثية، فإن الراوي، وهو أستاذ تاريخ وجغرافيا، لا يوفر نفسه من السخرية، علاوة على سخريته من العالم والحياة والعقائد والأفكار، وهو يستهل حكايته بصفته راوياً، ساخراً من المأساة التي حلت بالحي: “أقسم بأنني ضحكت في ذاك اليوم، أمام مشهد الحرق والقتل”، ويضيف: “ضحكت مثل أبله”، ثم يقول “ضحكت بينما بيتي يحترق، ضحكت لأنني أعلم أنني إن لم أضحك، كنت لأصيح، أو أبول على النار، أو أعرض نفسي للرصاصة”.
في مقطع من الرواية يقول أيضاً: “أنا شخص صاحب أفكار بلهاء. الأفكار البلهاء لا يسرقها أحد”. أما الضحك فسيكون حاضراً إزاء مواقف عدة، وحيال تجارب وأهوال يعيشها، فالضحك صنو السخرية التي يتسلح بها ليواجه المآسي الصغيرة، ولكن القاسية التي تعبر حياته “الترحالية”.
ليس من العبث أن يكون جوناس أستاذ تاريخ وجغرافيا في مدرسة عامة، بـ “راتب يكفي لشراء الرز والصابون وثلاثة كوابيس في الأسبوع”. فثقافته الجغرافية ستكون عوناً له على التعرف إلى الحدود والخرائط. وقبل أن يذوق مرارة النزوح والهجرة في الخارج، يكتشفها في هايتي، بلاده، بعدما راح يتنقل بين مدن وقرى، مشرداً ينام تحت شاحنة، على مقعد، تحت شجرة، أو راكباً في باص مكتظ بالفقراء، نسوة ورجالاً، وبأقفاص الدجاج، وبقايا الطعام، يتوقف عند الحواجز، وهنا الذل والخوف والسؤال الرهيب عن الأوراق الثبوتية، وحتى القتل الذي لا يرحم.
وقد أنقذته من القتل، طريقته في السخرية، وقراءته أحد مزامير داود (المزمور 23) أمام الرجل المسلح بالمقلوب، فضحك وأشار إليه بالعودة إلى الباص، بينما قُتل آخرون بلا أوراق. وهؤلاء المسلحون لم يتوانوا مثلاً عن مصادرة حذاء رجل ميت، بعدما أنزلوا التابوت وفتحوه.
أما الحصول على تأشيرة دخول إلى الدومينكان فلم يكن بالأمر السهل، يجب اجتياز ما يسميه الروائي “ممراً بين سجنين”، وهو ممر الحدود بين البلدين، يسمى جيماني. وفيه يصطف الهاربون “البلا أوراق” في خط طويل، وبعض النسوة يتمّ اغتصابهن في مقابل العبور هذا.
يعبر هذا “المعلم الذي بلا تلامذة، الشاعر الذي بلا قرّاء، المسافر بلا خريطة”، وينتقل إلى مدينة قريبة تقيم فيها ابنة عم له، تؤويه بضعة أيام ثم تعتذر منه “اذهب ابحث عن حظك”. فيعمل أولا في بناء الأرصفة، ثم حمّال أكياس أسمنت، ثم في مزرعة قصب السكر، في مقابل إيواء، لينتهي به الأمر إلى العمل ماسح أحذية.
مسح أحذية ونظرات
مهنة مسح الاحذية، تكون منطلقاً للراوي ليمعن في السخرية الشخصية. يقول: “مسح الأحذية مهنة شريفة بحق. واحدة من المهن النادرة التي يمكننا فيها النظر في عيون الناس، ولكن صعوداً من أرجلهم”. لكن مسح الأحذية يوفر له مبلغاً، فيضيف إلى حقيبته (كارفور)، فرشاة أسنان وصابونة جديدة ودفتراً جديداً. وهناك يتذكر المجزرة التي ارتكبت ضد الهايتيين بأمر من الديكتاتور تروخيللو عام 1937، فأريق من الدماء ما جعل ماء نهر المجزرة أحمر، شديد الحمرة، حتى “هرب السمك”، كما يلمح الروائي بسخريته الجارحة.
ينتقد جوناس الدومينكانيين بهزء قائلاً: “في سانتو دومنيغو، ينسى الدومنيكانيون السود أنهم سود، وينظرون إليك كأنك كلب أجرب. إلا إذا كنت طبيباً أو لاعب فوتبول أو ميتاً. حينذاك تصبح إنساناً”. وأطرف ما يواجه في مركز الإيواء الدومينيكاني، تهمة سرقة علبة سردين، يوجهها إليه لاجئ فنزويلي، ويلحقها بطعنة سكين تصيب فخذه وتجعله يعرج.
فخ النصاب خسوس
كانوا 50 لاجئاً ينامون في غرفة مدرسة، يصرخون ويتضاربون، ولعل أكثر ما يرجوه اللاجئون عادة، الحالمون بالهجرة، هو الحصول على أي تأشيرة للعبور، وغالباً ما يقعون بين أيدي التجار السود، المنافقين والمحتالين. وهكذا وقع دوريان في فخ نصبه له شخص يدعى خسوس أو يسوع بالعربية، فيسرق منه 150 دولاراً، ويختفي مع التأشيرة.





