إبراهيم العريس
فيلمان في تاريخ السينما الفرنسية ينظر إليهما دائماً على اعتبارهما علامتين أساسيتين في تاريخ تلك السينما حتى وإن لم يعتبرهما النقاد الكبار مأثرتين فنيتين كبيرتين، فهما حازا دائماً على تفضيل الجمهور العريض ولا يعاد عرض أي منهما منذ عقود طويلة، إلا ويتدافع المتفرجون لمشاهدته مع قسط كبير من الحنين. الفيلمان هما “لا بانديرا” وتعني “الراية” بالإسبانية (لكن الجميع يفضلون العنوان بلغته الإسبانية لما يحمله من دلالات) الذي حققه جوليان دوفيفييه عام 1935، و”رصيف الضباب” الذي حققه مارسيل كارنيه بعد ذلك بثلاثة بأعوام. ونذكر هنا بداية أن معظم متفرجي الفيلمين يعرفون أنهما معاً من بطولة نجم السينما الفرنسية بلا منازع طوال عقود كثيرة، جان غابان، لكن قلة فقط من أولئك المتفرجين يمكنها أن تتذكر أن كلاً من الفيلمين مبني على رواية لكاتب هو نفسه في المرتين، بيار ماك أورلان. ولما كان موضوعنا هنا هو أول الفيلمين “لا بانديرا” سنذكر أن الرواية التي اقتبس منها الفيلم صدرت أول الأمر عام 1931 لتكون من أول إصدارات ماك أورلان الذي كان يقترب من عامه الـ60 يومها، وهو الذي عاش حياة مغامرات ولا سيما في إسبانيا والشمال الأفريقي، إنما تحت اسمه الأصلي بيار دومارشي قبل أن ينتحل الاسم الآخر الذي سيعرف به حتى رحيله نحو عام 1970 وقد بات ذا شهرة كبيرة في أدب المغامرات الروائي، ولكن تبقى تينك الروايات أشهر أعماله وأهم ما اقتبسته السينما من تلك الأعمال.
بشيء من الاختصار تدور الرواية من حول المدعو بيار غيلييت الذي يطالعنا منذ البداية بكونه قد أجهز في باريس إلى شخص من مدينة روان في الغرب الفرنسي، لأسباب ليست واضحة بالنسبة إلينا أول الأمر، مما يضطره إلى الذهاب إلى إسبانيا واللجوء إلى برشلونة هرباً من الشرطة الفرنسية التي انطلقت تلاحقه. وكانت الملاحقة أقرب إلى حصار بدا الهارب عاجزاً عن التصدي له وقد أمضه الجوع ولم يجد لنفسه مأوى. وهكذا يدخل متطوعاً في الفرقة الأجنبية التابعة للقوات العاملة في إسبانيا وسط احتدام المعارك والقتال هناك. وسرعان ما يتطوع على شاكلته في تلك الفرقة، فرنسي آخر هو فرناندو لوكاس الذي لن يلبث أن يلحق به وبفرقته حين تتحرك تلك الفرقة إلى شمال المغرب العربي حيث تقاتل الثوار الريفيين المنتفضين ضد الاحتلال الإسباني. وإزاء تلك الرفقة الغريبة يشتبه غيلييت بأن لوكاس إنما هو في حقيقة أمره، الشرطي الذي يطارده. وهكذا يحتدم صراع بين الرجلين يفاقمه أنهما معاً يحاولان كسب ود الراقصة المحلية عائشة. وهكذا تتحول المغامرة البوليسية إلى صراع شخصي وجودي لا ينتهي بالطبع إلا بموت غيلييت بالطريقة نفسها تقريباً التي كان قتل بها ضحيته أول الرواية.
إذاً، يحتل فيلم “لا بانديرا” (La Bandera)، الذي أنجزه جوليان دوفيفييه عام 1935 كما أشرنا، مكانة خاصة في سينما الثلاثينيات الفرنسية، انطلاقاً من تلك الرواية التي كان ماك أورلان قد أنجزها ونشرها قبل ذلك بأربعة أعوام. وقد كتب دوفيفييه السيناريو بالاشتراك مع شارل سباك. ومنذ البداية يبدو أن ما يجمع الرواية والفيلم ليس مجرد الحكاية، بل ذلك العالم الماك – أورلاني المليء بالهاربين والمهمشين والجنود والمرتزقة، حين يصبح الماضي عبئاً لا يستطيع الإنسان التخلص منه. صحيح أن الحكاية بسيطة وتكاد تكون خطية في ظاهرها: بيير غيلييت، الذي يؤديه جان غابان، يرتكب جريمة قتل، فيهرب إلى إسبانيا ويلتحق بالفرقة الأجنبية الإسبانية، أملاً أن يختفي وسط رجال لا يسألون كثيراً عن ماضي بعضهم، لكنه يكتشف أن الماضي قادر على اللحاق به حتى في الصحراء. ففيرناندو لوكاس، شرطي متخف في صفوف الفرقة، يطارده طمعاً في المكافأة. وبين الرجلين تنشأ تدريجاً واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في الفيلم: علاقة مطاردة تتحول شيئاً فشيئاً إلى نوع من التضامن الإنساني. وهنا تكمن قوة فيلم دوفيفييه، فهو، في رأي المعلقين على الفيلم، لا يعامل الفرقة الإسبانية بوصفها مجرد خلفية لمغامرة عسكرية، بل يحولها إلى عالم أخلاقي مغلق، يجد فيه الخارجون على القانون فرصة لإعادة اختراع أنفسهم. إن غيلييت لا يتحول بريئاً، لكنه ينتقل من موقع المجرم الهارب إلى رجل قادر على التضحية، ولذلك يمكن قراءة الفيلم كله باعتباره حكاية خلاص مؤجل: لا يستطيع البطل أن يمحو الجريمة، لكنه يستطيع أن يمنح نهايته معنى آخر، شديد الخصوصية.
لقد وجد النقاد يومها أن جان غابان مناسب تماماً لهذا الدور، فصورته السينمائية في تلك المرحلة “تقوم على الرجولة الشعبية الخشنة، وعلى شخصية تبدو قاسية من الخارج، لكنها تحمل في داخلها حاجة عميقة إلى الاعتراف والحب والخلاص”. وتأتي علاقة غيلييت بعائشة، التي تؤديها أنابيلا، لتضيف إلى الحكاية بعداً عاطفياً، “غير أن الحب هنا لا يصبح خلاصاً رومانسياً مكتملاً، بل استراحة قصيرة قبل أن يستعيد القدر سلطته”. ومن الناحية البصرية يستفيد دوفيفييه من الانتقال الحاد بين باريس والفضاء الصحراوي المغربي، فالمدينة في البداية فضاء للجريمة والمطاردة، بينما تصبح الصحراء فضاءً أشبه بالمصير. وقد صور جزء من الفيلم في إسبانيا والمغرب، مع الاستعانة أيضاً برجال حقيقيين من الفرقة الإسبانية، مما





