محمد شريف شناوه العبودي
لم يعد ارتفاع سعر الدولار مجرد رقم يتغير في نشرات الأخبار أو على شاشات الصرافة، بل أصبح أزمةً تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتؤثر في لقمة العيش والدواء والمواصلات والإيجار. فحين يرتفع الدولار، لا يبقى أثره محصوراً في سوق العملة، بل يمتد إلى أسعار السلع والخدمات، ويضع الأسر أمام معادلة قاسية: دخلٌ لا يكفيوأسعارٌ لا تتوقف عن الصعود.
والأشد قسوة أن العبء لا يقع على الجميع بالدرجة نفسها. فالأسر ذات الدخول المرتفعة قد تجد بعض الوسائل للتكيف مع الغلاء، أما أصحاب الأجور المحدودة والمتقاعدون والعاملون بأجر يومي والأسر الفقيرة، فلا يملكون غالباً سوى تقليص احتياجاتهم أو الاستدانة أو التخلي عن بعض الضروريات. وبينما تتراجع القدرة الشرائية للناس، تتآكل قيمة ما يحصلون عليه من رواتب ومعاشات، حتى يصبح الدخل الذي كان يغطي احتياجات أساسية عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
حين يرتفع سعر الدولار، ترتفع معه كلفة استيراد كثير من السلع والمواد الخام، وتنعكس هذه الزيادة على الأسواق بدرجات متفاوتة. وقد لا يشعر المواطن بالتغير في اليوم نفسه، لكنه يلمسه تدريجياً في سعر الطعام والدواء والملابس وقطع الغيار والنقل، وفي فواتير الخدمات والإيجارات. وما إن ترتفع الأسعار حتى يصبح الرجوع بها إلى مستوياتها السابقة أمراً نادراً، حتى لو تحسن سعر الصرف لاحقًا.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: قد يبقى الراتب كما هو، لكن قيمته الفعلية تنخفض. فالمواطن لا يقيس دخله بعدد الأوراق النقدية التي يتقاضاها، بل بما يستطيع شراءه بها. وإذا صار الراتب يشتري نصف ما كان يشتريه، فإن صاحبه يكون قد خسر جزءاً كبيراً من دخله الحقيقي، حتى لو لم يُقتطع من راتبه أي مبلغ بصورة رسمية.
تكون آثار الغلاء أشد وطأة على الفقراء، لأن معظم دخلهم يذهب أصلاً إلى الحاجات الأساسية. فالأسر الميسورة تستطيع، ولو جزئياً، إعادة ترتيب نفقاتها أو استخدام مدخرات أو مصادر دخل أخرى. أما الأسرة محدودة الدخل، فلا تملك مساحة واسعة للمناورة؛ فهي لا تستطيع الاستغناء عن الطعام أو الدواء أو السكن، ولا يمكنها تأجيل جميع الفواتير إلى أجل غير معلوم.
ومع كل موجة ارتفاع، تبدأ الأسر في تقليص ما يمكن تقليصه: شراء كميات أقل، اختيار سلع أرخص، تأجيل زيارة الطبيب، الاستغناء عن بعض الأدوية، أو سحب الأطفال من أنشطة تعليمية وترفيهية. وفي أحيان كثيرة لا يكون هذا التقشف خياراً واعياً بقدر ما يكون نتيجةً مباشرة للعجز عن مواكبة الأسعار.
وهكذا لا يقتصر الضرر على انخفاض مستوى الاستهلاك، بل يمتد إلى نوعية الحياة والفرص المتاحة أمام الناس. فالطفل الذي لا يحصل على غذاء مناسب أو تعليم مستقر، والشخص المريض الذي يؤجل علاجه، والعامل الذي لا يستطيع تغطية كلفة المواصلات، جميعهم يدفعون من حاضرهم ومستقبلهم ثمن أزمة لم يصنعوها وحدهم.
إن تآكل المعاش لا يعني فقط صعوبة شراء الكماليات، بل قد يعني اضطرار المتقاعد إلى الاختيار بين حاجتين أساسيتين: دواءٍ لا يمكن تأجيله، أو طعامٍ يحتاجه كل يوم. وقد يضطر بعضهم إلى الاعتماد على أبنائه أو أقاربه، رغم أن هؤلاء أنفسهم يواجهون ضغوطاً معيشية متزايدة. ومن هنا تتجاوز الأزمة الفرد لتصيب الأسرة بأكملها، وتحوّل التقاعد من مرحلة يفترض أن تحمل شيئاً من الاستقرار إلى مرحلة قلق دائم بشأن المصاريف.
والأمر ذاته ينطبق على من يعتمدون على معاشات اجتماعية أو مساعدات محدودة. فإذا لم تُراجع قيمة هذه المبالغ وفق تغير تكاليف المعيشة، فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على أداء الغرض الذي وُجدت من أجله. فالمساعدة التي كانت تكفي لشراء احتياجات أساسية قد تصبح بعد فترة قصيرة غير كافية حتى لتغطية جزء منها.
لا يقتصر تأثير ارتفاع الدولار على الأسعار الحالية، بل يمتد إلى طريقة عمل السوق وتوقعات الناس. فالتقلبات الحادة تجعل التاجر متردداً في تحديد سعر بضاعته، وقد يدفعه الخوف من ارتفاع تكلفة الشراء لاحقاً إلى رفع الأسعار احتياطاً. ويؤجل المستهلك شراء بعض السلع انتظاراً لانخفاضها، بينما يتردد أصحاب الأعمال في التوسع أو التوظيف عندما يصعب عليهم توقع التكاليف.
وتؤدي حالة عدم اليقين إلى إرباك القرارات اليومية والاقتصادية معاً. فكيف تخطط أسرة محدودة الدخل لميزانيتها إذا كانت أسعار احتياجاتها الأساسية تتغير باستمرار؟ وكيف يحدد صاحب مشروع صغير كلفة إنتاجه أو سعر خدماته إذا لم يعرف ما ستكون عليه تكلفة المواد والمستلزمات خلال فترة قصيرة؟ وحين يضطرب التخطيط، تتراجع الثقة، وتصبح القرارات أكثر حذراً، وقد تتعطل أعمال وفرص كان يمكن أن تسهم في تحسين الحركة الاقتصادية.
تزداد قسوة الأزمة حين ترتفع الأسعار بسرعة أكبر من الأجور. فزيادة تكاليف المعيشة قد تقع على المواطن فوراً، بينما تظل الرواتب والمعاشات ثابتة لفترات طويلة. وقد لا تكفي الزيادة التي تُمنح لاحقاً لتعويض ما فُقد من القوة الشرائية، خصوصاً إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.
كما أن ضعف الرقابة أو غياب المنافسة العادلة قد يفاقم المشكلة. ففي أوقات الاضطراب، قد تُرفع الأسعار بحجة ارتفاع الدولار حتى في حالات لا تبرر فيها الكلفة الفعلية هذه الزيادة، وقد تُستغل حاجة الناس أو قلة الخيارات المتاحة أمامهم. لذلك يحتاج المواطن إلى سوق يمكنه أن يثق بوضوح أسعاره، وإلى آليات تميّز بين الارتفاع الذي تفرضه التكاليف فعلاً وبين المغالاة والاستغلال.
لا يمكن مطالبة المواطنين وحدهم بالتكيف مع كل موجة غلاء، ولا يصح أن يُطلب من الأسرة الفقيرة أن تتحمل تبعات الأزمة عبر مزيد من التقشف وكأن لديها إنفاقاً زائداً تستطيع الاستغناء عنه. فالتكيف له حدود، وحين يصل الناس إلى تقليص الطعام والدواء والتعليم، لا يعود الحديث عن إدارة ميزانية منزلية، بل عن مساس مباشر بكرامتهم وحقوقهم الأساسية.
تبدأ المعالجة الجادة بالاعتراف بحجم الأثر الذي يعيشه الناس، وبالتعامل مع حماية دخولهم باعتبارها ضرورة اقتصادية واجتماعية، لا إجراءً ثانوياً. ويشمل ذلك مراجعة الأجور والمعاشات بما يتناسب مع تغير تكاليف المعيشة، وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر تضرراً، وضمان توافر السلع الأساسية بأسعار معقولة، ومراقبة الأسواق للحد من الاحتكار والاستغلال.




