د. فراس مصطفى
في السياسة، لا تأتي الطائرات دائماً محمّلة بالرسائل الدبلوماسية وحدها، فأحياناً تحمل مؤشرات على تحوّل في موازين القوى، وتكشف أن الأطراف التي تستعد لاحتمالات المواجهة بدأت تبحث، في الوقت نفسه، عن مخارج منها، والأمثلة كثيرة، وآخرها وليس الأخير هو ما جرى صباح هذا اليوم، السادس والعشرون من تشرين الأول 2026، حيث لم تتجه الأنظار هذه المرة إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة ولا حتى نحو أوروبا التي تغلي على صفيح الاحتجاجات، بل هذه المرة إلى طهران المحاصرة من كل الجهات، حيث هبطت طائرة عسكرية من طراز C130 في مطار مهراباد في العاصمة طهران، تحمل مسؤولين كباراً من السعودية وباكستان وتركيا، ليلتقوا بمسؤولين إيرانيين، في تحرك إقليمي بالغ الحساسية، وسط تصاعد التوترات العسكرية والمخاوف من اتساع رقعة الصراع.
لم يكن على متن الطائرة أشخاص عاديون، إنما كان وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ابن الملك وشقيق ولي العهد وعرّاب العلاقات السعودية الأمريكية الجديد، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، إلى جانب مسؤولين إيرانيين، في مقدمتهم محسن رضائي، وفقاً لما نشرته مواقع إعلامية عربية وإيرانية بشأن هذا الاجتماع.
تكمن أهمية اللقاء في المفارقة السياسية التي يحملها! وكما نعلم، فالسعودية وتركيا وباكستان وقّعت اتفاقاً للدفاع المشترك في مكة في السابع من آب الماضي، ينص على اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، واليوم، تجلس أطراف هذا الاتفاق إلى طاولة واحدة مع إيران، في مشهد يطرح تساؤلات تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، فهل نحن أمام محاولة لاحتواء طهران، أم التفاوض معها، أم بداية لإعادة ترتيب النظام الأمني في الشرق الأوسط، لا سيما وأن السعودية باتت، دون أن ترغب، بين فكي الرحى، الصواريخ الإيرانية من جهة، والضربات الحوثية من جهة أخرى؟
في علم السياسة، يقال إنه لا يوجد صديق دائم ولا عدو دائم، فصديق الأمس قد يتحول إلى عدو اليوم، والعكس صحيح، ولا تتناقض التحالفات العسكرية بالضرورة مع التفاوض، فالدول قد تعزز قدراتها الدفاعية لتحسين موقعها التفاوضي، لا استعداداً للحرب وحدها، بل قد يكون ذلك محاولة منها لخفض التصعيد وتجنب المواجهة الواسعة، من دون أن يعني ذلك زوال الخلافات أو التخلي عن التحالفات القائمة، وبالمحصلة، تعتمد السياسات على المصالح.
السعودية اليوم في وضع لا تُحسد عليه، فهي تقف أمام معادلة معقدة جداً، طرفاها غير متوازنين: طرفها الأول، العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في ظل قيادة ترامب المعروف بتقلباته التي لا ترحم، والسعي في الوقت نفسه إلى تنويع ضماناتها الأمنية وتعزيز تعاونها مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، والطرف الثاني للمعادلة يكمن في إبقاء قنوات التفاهم مفتوحة مع طهران التي لا تتنازل بسهولة عن مواقفها! وهنا أصل المشكلة، فهل تستطيع دول المنطقة إدارة خلافاتها من دون أن تتحول تحالفاتها إلى معسكرات متقابلة تجعل أي حادث أمني شرارة لمواجهة أوسع؟
من المعلوم أن الأمر لا يتوقف على السعودية وحدها، فتركيا تمتلك حساباتها الأمنية والسياسية المستقلة، وتخفي رغبات شديدة في إعادة أمجاد الدولة العثمانية بطابع جديد، وباكستان النووية التي لا تقل تطلعاً عن تركيا في تعزيز مكانتها بحكم موقعها الجغرافي وخلافاتها المزمنة مع جارتها النووية الأخرى، الهند!! وبحكم علاقاتها، أي باكستان، مع الرياض وطهران، فإنها تستطيع أن تلعب دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر، وإذا نجحت هذه الأطراف في وضع قواعد عملية لخفض التصعيد واحترام السيادة ومنع الهجمات، فقد يصبح اللقاء مدخلاً إلى صيغة إقليمية لإدارة الأزمات، تقلل الاعتماد على القوى الخارجية. أما إذا بقيت الخلافات الجوهرية بلا معالجة، فقد لا يتجاوز الاجتماع حدود احتواء مؤقت للتوتر.



