بغداد – العالم
تواجه الحكومة العراقية تحدياً أمنياً متزايداً في مرحلة ما بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، يتمثل في تعزيز قدرات الدفاع الجوي وحماية المجال الجوي، بالتزامن مع انتظار وصول الدفعة الأولى من المنظومات الدفاعية الجديدة خلال مدة قد تصل إلى ستة أشهر. وتفتح هذه الفترة تساؤلات بشأن قدرة العراق على التعامل مع التهديدات الجوية المحتملة، في ظل تحذيرات من أن امتلاك المنظومات لا يعني بالضرورة توفير تغطية متكاملة فور دخولها البلاد.
وأعلنت الحكومة إحراز تقدم في التعاقد على منظومات دفاع جوي حديثة، على أن تتضمن الدفعة الأولى رادارات متطورة ووسائل اعتراضية وطائرات، ضمن خطة تستهدف تعزيز السيادة الجوية وتطوير قدرات الرصد والتعامل مع الاختراقات. ومن المقرر توزيع المنظومات ونشرها في مناطق مختلفة بعد وصولها، وفق الاحتياجات والخطط العسكرية المعتمدة.
وفي تصريح تابعته «العالم»، أكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، أن العراق توصل إلى اتفاقات مع شركات متخصصة لتأمين المنظومات، مشيراً إلى أن القوات الأمنية تواصل أداء مهامها بمستويات عالية من الجاهزية، مع استمرار التنسيق بين التشكيلات العسكرية المنتشرة في الحدود ومناطق المسؤولية.
ورصدت «العالم» أن الإعلان عن التعاقدات يمثل خطوة باتجاه تطوير القدرات الدفاعية، لكنه لا يقدم تفاصيل كاملة عن مستوى التغطية الجوية المتاح حالياً، أو مدى قدرة الوسائل الموجودة على التعامل مع مختلف أنواع التهديدات خلال الفترة التي تسبق وصول المنظومات الجديدة.
وفي المقابل، قلل مصدر مسؤول في وزارة الدفاع من المخاوف المتعلقة بحدوث فراغ أمني، مشيراً إلى أن القدرات الجوية العراقية لا تزال بحاجة إلى تطوير، لكنه وصف الوضع الأمني العام بأنه هادئ نسبياً، ولم يتوقع تسجيل خروق واسعة خلال المرحلة المقبلة. وتبقى هذه التقديرات مرتبطة بتطورات الوضع الميداني ومستوى الاستعداد وقدرة القوات على رصد التهديدات والتعامل معها.
ولا تقتصر أهمية الملف على الحكومة الاتحادية، إذ يمثل إقليم كردستان جزءاً أساسياً من النقاش بشأن حماية الأجواء العراقية. فقد أكد رئيس الإقليم، نيجيرفان البارزاني، أن العراق وكردستان يحتاجان إلى منظومة دفاع جوي، مشيراً إلى أن حماية أجواء الإقليم لا تنفصل عن مسؤولية الدولة العراقية عن المجال الجوي الوطني.
وأوضح البارزاني أن تفاهمات سابقة مع الولايات المتحدة تضمنت، بحسب ما ذكر، ترتيبات لتوفير منظومة دفاع جوي شملت إقليم كردستان، مشدداً على أهمية وضع السلاح تحت سلطة الدولة. وتأتي هذه المطالب وسط مخاوف أمنية عززتها هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مناطق في الإقليم، وأعادت ملف الحماية الجوية إلى واجهة النقاش السياسي والأمني.
من جانبه، حذر الخبير العسكري عقيل الشمري من أن المدة المعلنة لوصول المنظومات قد لا تكون كافية لاستكمال بناء قدرة دفاعية متكاملة، موضحاً أن تشغيلها يتطلب أكثر من مجرد تسلم المعدات. وتشمل المتطلبات ربط الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة، وتأهيل الأطقم، وإجراء التدريبات اللازمة، وتحديد مواقع الانتشار، فضلاً عن توفير الصيانة والإسناد الفني.
وبحسب ما رصدته «العالم»، فإن التحدي الأساسي لا يرتبط بموعد وصول المنظومات وحده، بل بقدرة المؤسسات العسكرية على دمجها ضمن شبكة دفاعية تعمل بصورة منسقة، وتتيح اكتشاف الأهداف الجوية وتحديد طبيعتها والاستجابة لها في الوقت المناسب. كما أن التغطية الفاعلة تحتاج إلى تنسيق عملياتي بين الجهات المسؤولة عن حماية المجال الجوي، وتوزيع واضح للمهام بين مراكز القيادة والقوات المنتشرة.
وكانت جهات في إقليم كردستان قد أعربت عن مخاوفها من غياب بديل دفاعي متكامل مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، مؤكدة أن أجواء الإقليم جزء من المجال الجوي العراقي، وأن مسؤولية حمايتها تقع أساساً على الحكومة الاتحادية.
وتضع هذه التطورات بغداد أمام اختبار مزدوج: الإسراع في بناء قدرات دفاعية مستقلة، وإدارة المرحلة الانتقالية بما يقلل المخاطر إلى حين اكتمال نشر المنظومات وتشغيلها. وسيعتمد نجاح هذه الخطوة على سرعة التنفيذ، والتدريب، والتنسيق بين المؤسسات العسكرية، إلى جانب وضوح خطة حماية الأجواء العراقية وإقليم كردستان من التهديدات المحتملة.





