قروض صندوق النقد تضع العراق أمام اختبار الإصلاح.. التمويل قد يتحول إلى أداة ضغط على الحكومة

هيئة التحريرمنذ 30 دقيقةآخر تحديث :
قروض صندوق النقد تضع العراق أمام اختبار الإصلاح.. التمويل قد يتحول إلى أداة ضغط على الحكومة

بغداد – العالم

قد لا يكون لجوء العراق إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي مجرد خيار لتمويل العجز أو مواجهة الضغوط المالية، بل يمكن أن يتحول إلى مدخل لفرض إصلاحات اقتصادية ومالية طال انتظارها، في ظل تعثر الحكومات العراقية المتعاقبة في معالجة الاختلالات التي تراكمت داخل مؤسسات الدولة وميزانيتها العامة.

ورصدت «العالم» أن النقاش بشأن الاقتراض من صندوق النقد يتجاوز مسألة الحصول على الأموال، ليرتبط بطبيعة الشروط التي يمكن أن ترافق أي برنامج تمويلي، ومدى قدرة الحكومة العراقية على تنفيذ إصلاحات تتصل بالإنفاق العام والإيرادات والقطاع المصرفي والمؤسسات الحكومية، وهي ملفات ظلت لسنوات خاضعة لتجاذبات سياسية واقتصادية حالت دون إحداث تغييرات جوهرية فيها.

وحذر المختص بالشأن الاقتصادي زياد الهاشمي، في تصريحات تابعتها «العالم»، من تداعيات لجوء الحكومة العراقية إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذه الخطوة قد تتحول إلى فرصة لإجبار الحكومة على تنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية لم تتمكن الحكومات السابقة من المضي بها.

وأوضح الهاشمي أن صندوق النقد الدولي يعد من المؤسسات الدولية الأكثر تشدداً في منح القروض، إذ لا يقتصر دوره على توفير التمويل للدول التي تواجه أزمات مالية، وإنما يربط عادةً صرف التمويل بتنفيذ مجموعة من الإصلاحات والإجراءات المتفق عليها مع الدولة المقترضة.

وبيّن أن آلية التمويل تقوم على صرف القرض على دفعات، بحيث يرتبط الحصول على الدفعات اللاحقة بتنفيذ مراحل محددة من البرنامج الإصلاحي، الأمر الذي يمنح الصندوق قدرة على متابعة مدى التزام الحكومة بالتعهدات التي يتم الاتفاق عليها قبل استمرار التمويل.

وتتركز الإصلاحات المحتملة، بحسب الهاشمي، على ملفات أساسية من بينها ضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين تحصيل الضرائب والإيرادات غير النفطية، وتقليص الاعتماد على التمويل النقدي لتغطية العجز، فضلاً عن إصلاح المؤسسات العامة التي تعاني من الخسائر، وتعزيز استقلالية البنك المركزي.

 

ويرى الخبير الاقتصادي أن هذه الملفات تمثل في الوقت ذاته أبرز نقاط الضعف في المالية العراقية، في ظل ارتفاع حجم الإنفاق الحكومي، وضعف الانضباط المالي، واستمرار مظاهر الهدر والفساد، فضلاً عن محدودية الإيرادات غير النفطية واتساع الحاجة إلى تمويل العجز.

 

ويشير الهاشمي إلى أن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تتمكن من معالجة هذه الاختلالات بصورة حاسمة، ليس بسبب غياب المقترحات الاقتصادية فقط، وإنما نتيجة عراقيل سياسية ومصالح متشابكة جعلت تنفيذ عدد من الإصلاحات أمراً بالغ الصعوبة.

 

وفي هذا السياق، قد تمنح الحاجة إلى التمويل الحكومة مبرراً سياسياً للمضي في إجراءات إصلاحية كانت تواجه اعتراضات داخلية، إذ يمكن أن تتحول شروط صندوق النقد إلى غطاء لاتخاذ قرارات صعبة تتعلق بالإنفاق والإيرادات والمؤسسات الحكومية، بدلاً من تحمل الحكومة وحدها كلفة المواجهة السياسية مع الجهات المتضررة من الإصلاح.

وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بقدرة العراق على الحصول على قرض من الصندوق، وإنما بكيفية إدارة البرنامج في حال إقراره، وما إذا كانت الإصلاحات ستستهدف فعلاً مكامن الخلل في المالية العامة، أم ستتحول إلى إجراءات شكلية هدفها تأمين استمرار تدفق التمويل.

 

ويحذر الهاشمي من أن الاقتراض قد يصبح عبئاً إضافياً إذا اكتفت الحكومة بالحصول على الأموال من دون معالجة الأسباب التي دفعتها إلى طلب التمويل، لأن القروض في هذه الحالة ستضيف التزامات مالية جديدة من دون معالجة أصل المشكلة، ولا سيما ما يتعلق بارتفاع الإنفاق وضعف الإيرادات غير النفطية والهدر داخل المؤسسات العامة.

في المقابل، يرى أن البرنامج يمكن أن يكون مفيداً للعراق إذا ارتبط بإصلاحات حقيقية وقابلة للتنفيذ، تشمل إعادة تنظيم الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة الإيرادات، والحد من الهدر والفساد، وإصلاح المؤسسات الخاسرة، وتعزيز دور المؤسسات المالية والنقدية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للعراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية في تمويل موازنته، ما يجعله أكثر عرضة للتقلبات التي تصيب أسواق النفط أو تؤثر في حركة التصدير والإيرادات العامة.

 

ويضع ذلك الحكومة أمام خيارين متلازمين: استخدام التمويل الخارجي لمعالجة أزمة مالية مؤقتة، أو تحويل الحاجة إلى القروض إلى فرصة لإعادة بناء الإدارة المالية للدولة على أسس أكثر استدامة.

 

وبحسب رؤية الهاشمي، فإن قروض صندوق النقد يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط إيجابية تدفع الحكومة نحو إصلاحات طال تأجيلها، لكن نجاحها يبقى مرهوناً بقدرة العراق على تنفيذ الشروط بطريقة تعالج الاختلالات البنيوية، لا أن تقتصر على تأمين الأموال وتراكم الديون والالتزامات على الدولة.

 

ومع استمرار الضغوط المالية والحاجة إلى تعزيز موارد الدولة، يبرز ملف الاقتراض من صندوق النقد كاختبار حقيقي للسياسة الاقتصادية العراقية، ليس فقط لجهة الحصول على التمويل، وإنما لمدى استعداد الحكومة والقوى السياسية لتحمل كلفة الإصلاح واتخاذ قرارات قد تكون صعبة على المدى القصير، لكنها ضرورية لمعالجة الاختلالات المالية على المدى البعيد.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!