بسام رعد
شهد المشهد الاقتصادي في العراق تطوراً مفاجئاً عقب إعلان المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ” كريستالينا غورغييفا ” في 17 تشرين الأول الحالي عن تقديم العراق طلباً رسمياً للحصول على برنامج تمويل جديد من الصندوق لمواجهة الضغوط المالية المتصاعدة. وبذلك يعد العراق أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتقدم بطلب مساعدة مالية في أعقاب الصراع الإقليمي في منطقة الخليج العربي وتأثيراته المباشرة على تعطيل صادرات النفط من مضيق هرمز.
عند مراجعة وتقييم الضغوط المالية الأخيرة، نلاحظ أن الاعتماد شبه الكلي للعراق على صادرات النفط الخام، التي تشكل نحو 90% من إيرادات الدولة المالية، أدى إلى تفاقم الأزمة. فقد تسبب اضطراب حركة الملاحة والتصدير عبر مضيق هرمز في خسائر تراكمية تُقدر بنحو 60 مليار دولار نتيجة تراجع الصادرات النفطية، وفق تصريحات رسمية.
ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 16% خلال عام 2026، وهي أسرع وتيرة انكماش تسجلها البلاد منذ عام 2003. كما يتوقع تفاقم عجز الحساب الجاري ليصل إلى 10.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، مع ارتفاع التضخم إلى نحو 3.5%.
ولاحتواء جزء من هذه الصدمة، اتخذت السلطة النقدية في 7 من تشرين الأول قرار خفض قيمة الدينار العراقي بنسبة 13% أمام الدولار الأمريكي، كإجراء أولي لاحتواء الصدمة وتقليص كلفة الإنفاق المحلي بالدينار.
ومن خلال مراجعة البيانات الختامية لخبراء صندوق النقد الدولي والسلطات العراقية بمقتضى المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس الصندوق، يرى خبراء الصندوق أن العراق بحاجة إلى ( برنامج مالي واقتصادي متكامل ) لتخفيف الضغوط واحتواء الصدمات المالية المحدودة. وعلى ضوء المراجعات التاريخية للصندوق، يمكن تلخيص الشروط والمتطلبات التمويلية المتوقعة في المحاور التالية:
تخفيض فاتورة الأجور وإيقاف التعيينات: يضع الصندوق التضخم الوظيفي في القطاع العام تحت المجهر، ويطالب بفرض قيود صارمة على سياسات التوظيف غير المستدامة، وإعادة ضبط جدول الرواتب والمنافع الحالية.
ترشيد الدعم وإصلاح قطاع الكهرباء: ي شمل ذلك الاستمرار في مراجعة تعرفة الطاقة، وتحسين كفاءة التحصيل والجباية، وحصر الدعم الاجتماعي عبر بطاقات استهداف دقيقة لحماية الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل.
لذلك تثير العودة للاقتراض الخارجي وطلب التمويل من صندوق النقد الدولي مخاوف حقيقية تتعلق بطبيعة توظيف القروض التمويلية. تكمن الخطورة الأساسية في احتمال تسريب أموال القروض لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب المتكررة التي ينتهي أثرها بانتهاء القرض، بدلاً من توجيهها نحو المشروعات الاستثمارية الإنتاجية التي تولد عائدات مستقبلية وتزيد الطاقة الإنتاجية للاقتصاد. كما أن السياسات الانكماشية والتقشفية المتوقعة (مثل رفع أسعار الخدمات وتعديل الضرائب وتجميد التعيينات) ستتطلب إعطاء أولوية قصوى لضمان حماية شبكات الأمان الاجتماعي والصحة والتعليم، لمنع انزلاق الفئات الهشة نحو الفقر.
إن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لم يعد مجرد أداة لاحتواء صدمة عابرة، بل هو مواجهة لأزمة بنيوية عميقة تتجاوز التداعيات المؤقتة لاضطراب الملاحة في مضيق هرمز. فالعراق يعاني من هشاشة هيكلية مزمنة تتمثل في الاعتماد شبه الكلي على النفط كمصدر وحيد للإيرادات، مع تركز الصادرات في جغرافيا ضيقة تجعله عرضة لأي اضطراب إقليمي. أن نجاح هذا المسار يتطلب إرادة سياسية واقتصادية لتحويل الشروط الدولية إلى فرصة إصلاحية حقيقية. ويتعين على السياسة المالية العراقية الشروع في تنويع الإيرادات وتوجيه القروض نحو الاستثمار الرأسمالي المنتج، مع الالتزام بالشفافية التامة أمام الرأي العام لتجنب تراكم عبء الديون على الموازنات القادمة.



