بغداد – العالم
مع تصاعد احتمالات تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يعود العراق إلى واجهة المخاوف من تحول أراضيه إلى ساحة لتبادل الرسائل والضربات، وسط تحديات تواجه الحكومة في فرض قرار الدولة على السلاح والحرب والسلم، ومنع أي طرف من استخدام الأراضي العراقية في صراع إقليمي أوسع.
ورصدت «العالم» تحذيرات أمنية وسياسية من أن أي مواجهة جديدة قد تضع بغداد أمام اختبار معقد، خصوصاً مع استمرار الغموض بشأن التزام جميع الفصائل المسلحة بالمسار السياسي، ووجود جماعات تقول مصادر أمنية إنها مرتبطة بأجندات خارجية، فضلاً عن مخاوف من عودة الهجمات على المصالح الأمريكية أو دول المنطقة، وما قد يستتبعها من ردود داخل الأراضي العراقية.
ويقول الخبير الأمني سيف رعد إن تجدد العمليات العسكرية ضد إيران قد يدفع جماعات مسلحة إلى تنفيذ هجمات لإسناد الجانب الإيراني، مشيراً إلى وجود تشكيلات خاصة يقول إنها ترتبط بقيادات خارجية وتخضع لإشراف الحرس الثوري الإيراني، وتضم عناصر وقيادات من دول إقليمية عدة.
ويشير رعد إلى أن ظهور بيانات لفصائل غير معروفة، بينها تشكيل يحمل اسم «ما بعد الطوفان»، يمثل، من وجهة نظره، مؤشراً على استمرار وجود جماعات تتبنى مفهوم «وحدة الساحات»، الأمر الذي قد يعقّد مهمة الأجهزة الأمنية العراقية في حال اندلاع مواجهة إقليمية جديدة.
ورغم انخراط غالبية الفصائل في العملية السياسية وإعلانها مواقف بشأن تنظيم السلاح، فإن استمرار عدم وضوح مواقف بعض التشكيلات المسلحة يبقي الملف مفتوحاً على احتمالات متعددة، ولا سيما إذا انتقلت المواجهة من إيران إلى ساحات أخرى في المنطقة.
وفي الجانب الآخر، يطرح احتمال تعرض العراق لضربات إسرائيلية تحدياً إضافياً. ويحذر رعد من أن عجز بغداد عن منع استهداف المصالح الأمريكية أو حلفاء واشنطن من الأراضي العراقية قد يفتح الباب أمام ردود عسكرية مباشرة، لكنه يشدد على أن الحديث عن ضربات إسرائيلية متزامنة داخل العراق يبقى في إطار الاحتمالات والتحليل، وليس معلومة مؤكدة.
وتزداد المخاوف مع ما يصفه خبراء أمنيون بظهور نمط جديد من النشاط المسلح يعتمد على أفراد أو مجموعات صغيرة تتحرك بعيداً عن المراكز السكانية والمراقبة الأمنية المباشرة، وهو ما يعرف بأسلوب «الذئاب المنفردة». ويُنظر إلى هذا الأسلوب باعتباره تحدياً مختلفاً للأجهزة الأمنية، لصعوبة رصد العناصر التي تعمل بصورة محدودة ومنفصلة عن التشكيلات الكبيرة.
ويرتبط ذلك، بحسب تقديرات أمنية، بقدرة بعض الجماعات على استغلال المناطق النائية والتضاريس المعقدة لتنفيذ عمليات محدودة، بما يجعل منعها أكثر صعوبة ويزيد احتمالات جر العراق إلى ردود فعل إقليمية لا يملك قرارها بالكامل.
وفي السياق السياسي، يرى الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي أن المشكلة الأساسية للعراق في حال اندلاع حرب جديدة لا تتعلق بالحدود وحدها، وإنما بقدرة الدولة على احتكار قرار الحرب والسلم. ويشير إلى أن الدستور يحظر تشكيل ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، فيما يمنح رئيس مجلس الوزراء صفة القائد العام للقوات المسلحة.
ويضيف أن مسار تنظيم السلاح ووضعه تحت سيطرة الدولة يمثل اختباراً حقيقياً، خصوصاً مع الحديث عن ترتيبات تمتد إلى منتصف العام المقبل. ويرى أن إعلان أي فصيل ارتباطه بالمؤسسات الرسمية لا يكفي إذا احتفظ بقرار عمليات مستقل أو تبنى أجندة مرتبطة بمحور إقليمي.
بدوره، يقول المحلل السياسي نزار حيدر إن العراق يتحرك في مساحة ضيقة بين أطراف الصراع، كاشفاً عن طلب إيراني قال إن رئيس الوزراء علي الزيدي رفضه، ويتعلق بالسماح باستخدام الأراضي العراقية في حال تعرضت إيران لهجمات جديدة. ويضيف أن واشنطن حذرت بغداد من السماح بأي عمليات تستهدف مصالحها أو حلفاءها انطلاقاً من الأراضي العراقية.
ويرى حيدر أن تأجيل ملف حصر السلاح إلى موعد لاحق أضعف موقف الحكومة، فيما يبقى نجاح بغداد في تحييد العراق عن الصراع مرتبطاً بقدرتها على توحيد القرار السياسي والأمني، وضبط حركة الفصائل، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي يمنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية في أي مواجهة.
وبذلك يقف العراق أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقاته الإقليمية والدولية من جهة، وترسيخ سيادة الدولة واحتكارها قرار الحرب والسلم من جهة أخرى. وفي حال تجدد التصعيد، فإن قدرة بغداد على منع «الذئاب المنفردة» والفصائل المسلحة من تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة ستصبح الاختبار الأبرز لسلطة الدولة واستقرارها.





