بغداد – العالم
تعود العلاقة بين بغداد وأربيل إلى مربع الخلاف المالي والنفطي، مع وضع الحكومة الاتحادية شروطاً جديدة لاستمرار صرف رواتب موظفي إقليم كردستان، في خطوة تعيد فتح ملفات لم تُحسم نهائياً رغم التفاهمات التي شهدها الطرفان خلال الفترة الماضية. وبينما ترى بغداد أن انتظام التمويل يجب أن يرتبط بتسليم النفط والإيرادات غير النفطية وضبط عقود الطاقة، تعتبر أربيل أن استخدام الرواتب ورقةً في الخلاف السياسي يمثل تجاوزاً لقرارات المحكمة الاتحادية وحقوق موظفي الإقليم.
وبحسب ما رصدته «العالم»، تتضمن الشروط الاتحادية أربعة ملفات رئيسية، أولها تسليم كمية محددة من النفط الخام يومياً إلى شركة تسويق النفط «سومو»، وثانيها تحويل الإيرادات غير النفطية إلى وزارة المالية الاتحادية، فيما يتعلق الشرط الثالث بالغاز الطبيعي الفائض المنتج في الإقليم وتخصيصه لمنظومة الكهرباء، بينما يشترط الرابع عدم إبرام عقود نفطية جديدة مع الشركات الأجنبية من دون موافقة وزارة النفط الاتحادية.
وتكشف هذه الشروط أن الخلاف لم يعد محصوراً في كمية النفط التي تصل إلى بغداد، بل يتجه إلى إعادة رسم آليات إدارة قطاع الطاقة والإيرادات في الإقليم. فبغداد تسعى إلى تثبيت دور المؤسسات الاتحادية في الإنتاج والتسويق والتعاقد، وإنهاء مسارات ترى أنها سمحت خلال السنوات الماضية بوجود فجوات في الإيرادات والتصدير، بينما تتمسك أربيل بصلاحياتها الدستورية وبقدرتها على إدارة مواردها ضمن الإطار الذي تراه مناسباً.
وتبرز الكميات النفطية بوصفها العقدة الأكثر حساسية. فبينما تتحدث المواقف الاتحادية عن ضرورة تسليم كميات تصل إلى نحو 400 ألف برميل يومياً، تشير حكومة الإقليم إلى أن الإنتاج المتاح فعلياً أقل من ذلك، وتربط إمكانية زيادة الإنتاج بتسديد المستحقات المالية للشركات النفطية وتحسن الظروف الأمنية والاستثمارية.
في المقابل، تتهم أطراف نيابية بغداد بامتلاك معلومات عن كميات أكبر من الإنتاج والتصدير، وتربط استمرار تمويل الرواتب بالتزام أربيل بتسليم النفط والإيرادات. كما تثار اتهامات بوجود عمليات تهريب نفطي عبر الحدود، وهي اتهامات ترفضها حكومة الإقليم وتصف بعض الأرقام المتداولة بشأن صادراتها بأنها غير دقيقة ولا تستند إلى بيانات موثوقة.
ولا يتوقف الخلاف عند النفط. فالغاز الطبيعي يدخل للمرة الأولى بقوة في معادلة التمويل والطاقة، مع مطالبة بغداد بالحصول على الكميات الفائضة من إنتاج الإقليم لتوظيفها في قطاع الكهرباء. ويمنح هذا الملف الصراع بعداً اقتصادياً واستراتيجياً جديداً، خصوصاً مع حاجة العراق إلى زيادة مصادر الغاز وتقليل الاختناقات التي تواجه محطات إنتاج الطاقة.
أما الإيرادات غير النفطية، فتظل ملفاً موازياً للنفط في معادلة الخلاف. إذ تطالب بغداد بتحويل الإيرادات المتحققة من المنافذ والضرائب والقطاعات الاقتصادية المختلفة وفق آليات متفق عليها، بينما تؤكد أربيل أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يذهب إلى تمويل الالتزامات والمشاريع والخدمات داخل الإقليم.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة سؤالاً أوسع بشأن مستقبل التفاهمات بين الطرفين. فالاتفاقات التي أبرمت خلال الفترة الماضية، ومنها تفاهمات تتعلق بالإيرادات واستئناف تصدير النفط عبر «سومو»، كانت تهدف إلى إخراج ملف الرواتب من دائرة التجاذب السياسي. إلا أن عودة الشروط المتبادلة تكشف أن التسوية السابقة لم تؤسس بعد لآلية مستقرة تنهي الخلافات بصورة نهائية.
وتكمن خطورة الأزمة في أن الخلاف المالي قد يتحول سريعاً إلى أزمة سياسية، خصوصاً إذا ارتبط صرف رواتب الموظفين بتنفيذ شروط جديدة لم تتفق عليها بغداد وأربيل بشكل نهائي. وفي المقابل، فإن استمرار الإقليم في إدارة بعض الملفات النفطية والمالية خارج المنظومة الاتحادية، من وجهة نظر بغداد، يعني استمرار ثغرات تهدد الإيرادات العامة وتضعف قدرة الدولة على التخطيط المالي.





