بغداد _ العالم
في مشهد يعكس حجم التحديات البيئية والإدارية التي تواجه القطاع الزراعي في العراق، تحولت السيول التي اجتاحت محافظة واسط إلى أزمة مركبة، لم تقتصر آثارها على الأضرار المباشرة التي لحقت بالمحاصيل، بل كشفت عن خلل عميق في إدارة الموارد المائية وغياب البنى التحتية القادرة على استيعاب مياه الأمطار والسيول والاستفادة منها. وبينما يواجه المزارعون خسائر قاسية، تتصاعد الدعوات لوضع حلول جذرية تعيد التوازن لهذا القطاع الحيوي.
وأفاد رئيس الاتحاد المحلي للجمعيات الفلاحية في واسط، علوان بعرور، أن موجة الأمطار الغزيرة والسيول التي ضربت المحافظة أدت إلى غمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خاصة المزروعة بمحصول الحنطة، ما أدى إلى خروجها من الخطة الزراعية رغم كونها من الأراضي ذات الإنتاجية العالية. وأوضح أن هذه الأضرار جاءت في توقيت حرج، حيث كانت المحاصيل في مراحلها النهائية بانتظار موسم الحصاد، الأمر الذي ضاعف من حجم الخسائر.
ولم تتوقف الأضرار عند الغمر بالمياه، بل زادت حدة الأزمة بفعل تساقط كميات كبيرة من البَرَد، الذي أدى إلى تدمير المحاصيل بشكل كامل في بعض المناطق. وأكد بعرور أن لجاناً فنية باشرت بالفعل بإجراء كشوفات ميدانية لإحصاء المساحات المتضررة، معرباً عن أمله في أن تتم هذه العمليات بدقة وشفافية بعيداً عن أي تدخلات أو مجاملات.
على المستوى الميداني، يروي الفلاحون تفاصيل الخسائر التي لحقت بهم، حيث قال المزارع أحمد شمران من ريف قضاء العزيزية إن مزرعته البالغة 75 دونماً تعرضت لتلف شبه كامل نتيجة الأمطار والبرد، مشيراً إلى أن هذه الخسارة جاءت في وقت كان يعوّل فيه على موسم الحصاد لسداد ديونه. وأضاف أن الوضع الحالي تركه معلقاً بين خسارة المحصول وتراكم الالتزامات المالية، مطالباً الجهات الحكومية بإجراء تقييم عاجل وصرف تعويضات مناسبة.
وفي السياق ذاته، حذر الفلاح موسى عويد القريشي من تجاهل معاناة المزارعين أو التذرع بالأزمة المالية، مشيراً إلى أن نحو 70% من الأراضي الزراعية في قضاء العزيزية ونواحيه خرجت من الخطة الزراعية بسبب السيول. وأكد أن الفلاحين باتوا يعتمدون بشكل كامل على تدخل الحكومة لتعويضهم، في ظل غياب أي بدائل اقتصادية.
وتتجاوز الأزمة البعد الزراعي لتطرح تساؤلات أعمق حول إدارة المياه في العراق، حيث أشار القريشي إلى غياب رؤية استراتيجية لاستثمار مياه السيول، من خلال إنشاء سدود وخزانات قادرة على تخزين هذه الكميات بدلاً من تحولها إلى عامل تدمير. ويرى مختصون أن هذه السيول، رغم أضرارها، تمثل فرصة مهدورة يمكن استثمارها لتعزيز الأمن المائي إذا ما توفرت البنية التحتية المناسبة.
من جانبه، أكد رئيس اللجنة الزراعية في مجلس محافظة واسط، سلام العجيلي، أن مطالب الفلاحين بالتعويضات مشروعة، نظراً لحجم الخسائر التي لحقت بهم. وأوضح أن اللجنة ستعمل على رفع هذه المطالب إلى الجهات المختصة في وزارتي الزراعة والمالية، إضافة إلى مجلس الوزراء، داعياً إلى تضمين موازنة عام 2026 بنداً خاصاً لتعويض المتضررين من الكوارث الطبيعية.
ويؤكد مراقبون أن ما حدث في واسط ليس حادثة معزولة، بل مؤشر على هشاشة البنية التحتية المائية في البلاد، والحاجة الملحة لإعادة النظر في سياسات إدارة الموارد الطبيعية. فمع تزايد التقلبات المناخية، يصبح من الضروري الانتقال من سياسة رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي، عبر مشاريع استراتيجية تشمل بناء السدود، وتطوير شبكات التصريف، وتعزيز تقنيات الري الحديثة.
وتمثل أزمة سيول واسط جرس إنذار حقيقي يدعو إلى مراجعة شاملة لواقع القطاع الزراعي وإدارة المياه في العراق. وبينما ينتظر الفلاحون تعويضات تنقذهم من الانهيار، يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو إصلاحات حقيقية تضمن استدامة الإنتاج الزراعي وتحمي سبل العيش لملايين العراقيين.