في شبابي قرأت رواية (الشياطين) لدوستويفسكي. هل فهمتها؟ لا اظن. ذلك ان الحاجة الى الفهم أتتني متأخرة. لم يكن هدف قراءاتي في تلك المرحلة يتحدد او يتعين بالحاجة الى الفهم. القراءة وكل افعالي الاخرى كانت تأتي تلبية لحاجات اخرى تنتمي الى ذلك القطاع الغامض، الطويل العريض من النفس، الذي يسميه البعض قطاع الرغبة.
مع ذلك يبدو لي ان أفعال المرء لا تذهب الى العدم. فاذا لم يفهمها او يستوعبها فان ذلك لا يعني انها لم تخلف اثرا فيه. وهكذا فانني على مدى عام 1980 كنت مسكونا برواية (الشياطين) لدوستويفسكي. وهو عامي الذي قضيته في بيروت. وكانت الدنيا هناك «مكلوبة»: ثورة فلسطينية مهيمنة وهي طرف قيادي في حرب اهلية لبنانية. البلد غابة من السلاح. ولم يكن مزاجي ينتسب الى اي شيء من ذلك. كانت الأجواء شيطانية محمومة في الغالب. ثم تأتي عليك في اوقات محدودة سماحة لبنان فتطيب النفس، وتغني. وللبنان جمال قادر مقتدر على اعلان نفسه حتى في اتعس الأحوال. ولكنها الحرب يا سادة، تفلت منها يوما وتغمرك اسبوعا. الرحمن يأتي ضيفا والشيطان اقامة دائمة.
وكانت ذكرى»الشياطين» على مدى شهور ذلك العام تجتاحني بين وقت وآخر. هي رواية محمومة الأجواء. لكن هل توجد رواية ليست محمومة لدستويفسكي؟ وكنت قرأت اهم رواياته، فلماذا كنت اتذكر « الشياطين» دونا عن البقية؟
وجدت الجواب بعد 15 عاما عندما قرأت الرواية ثانية. وفي هذه المرة كنت قد «بلغت» وتحددت حاجتي من القراءة في الفهم وفي الاستيعاب.
ان « شياطين» دوستويفسكي هم كائنات الاحزاب الثورية التي تحركها اهداف بعيدة عن الحاجات البشرية الحقيقية والخيرة. اذكر ان رجلا محافظا من ابطال الرواية يدعو شابا ثوريا او عدميا الى رؤية مستقبل روسيا في بريطانيا: ابني هناك عندهم يسار ويمين، حزب العمال وحزب المحافظين. تعال نعمل مثلهم في التنافس على خدمة روسيا. فلنكن قدمين لبلدنا. روسيا ستعرج بقدم واحدة بل لن تسير.
لم يستجب اليسار الروسي لنصيحة اديبها ومفكرها العظيم. وكان لدى روسيا كذا مفكر من اقران دوستويفسكي في القرن التاسع عشر قدموا ذات النصيحة. اليسار المتطرف داس عليها. وكان ذلك واحدا من الاسباب التي جعلت القرن العشرين الأعنف في تاريخ البشرية.
أما في عامي البيروتي فان الثورة الفلسطينية كانت تحتل جزءا من لبنان للعمل من اجل تحرير فلسطين! وهي طرف قائد لجزء من الشعب اللبناني ضد جزء آخر. والبلد غابة ميليشيات ترضع الاموال والاسلحة من كل العالم. أي خير يأتي من الميليشيات؟ وكيف لا اتذكر «الشياطين»؟ لقد هربت من هاوية فطحت باخرى. ففي السبعينيات كان المزاج الثوري طاغيا في العراق. السلطة حكومة الثورة. والرأي العام في الاوساط الثقافية خاصة كان ميالا الى الشيوعية. كان هناك ايضا الاسلام السياسي.
اليوم طاحت فكرة الثورة ولكن لدى الشياطين بدائل. انهم لم يهدأوا بعد.