بغداد _ العالم
بعد مرور شهر على حصول حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي على ثقة مجلس النواب، ما تزال العديد من الملفات المعقدة ترسم ملامح المرحلة الأولى من عمرها السياسي، وسط ترقب داخلي وخارجي لما ستتخذه من خطوات لمعالجة أزمات متراكمة تتعلق بالوضع الأمني والاقتصادي والخدمي.
ورغم أن الحكومة جاءت في ظرف استثنائي يمر به العراق، فإن مراقبين يرون أن أداءها خلال الأسابيع الأولى اتسم بالحذر والتركيز على ترتيب الأولويات، دون إطلاق مشاريع أو قرارات كبرى يمكن أن تعطي مؤشرات واضحة بشأن مسارها المستقبلي.
وحصلت حكومة الزيدي على ثقة البرلمان في الرابع عشر من الشهر الماضي، لكنها وُلدت منقوصة بعد تعذر تمرير سبع حقائب وزارية من أصل 23 وزارة، نتيجة استمرار الخلافات السياسية بين القوى المشاركة في الحكومة بشأن توزيع المناصب وآلية اختيار المرشحين.
وتبرز وزارات الدفاع والداخلية والتخطيط والتعليم العالي والهجرة والمهجرين والإعمار والإسكان في مقدمة الوزارات التي ما تزال شاغرة حتى الآن، وهو ما يضع الحكومة أمام تحدٍ مبكر يتعلق باستكمال تشكيلتها الوزارية وضمان انسجامها الإداري والسياسي.
وتشير معلومات متداولة في الأوساط السياسية إلى أن الخلافات لا تتعلق بأسماء الوزراء فقط، بل امتدت إلى ملفات أكثر تعقيداً تشمل مناصب وكلاء الوزارات ورؤساء الهيئات والأجهزة الأمنية المهمة، مثل جهازي المخابرات والأمن الوطني، فضلاً عن مواقع إدارية أخرى تسعى الكتل السياسية إلى ضمان حصتها فيها.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الخلافات يعكس بقاء تأثير نظام المحاصصة السياسية على عملية تشكيل الحكومات، رغم الدعوات المتكررة إلى اعتماد معايير الكفاءة والمهنية في اختيار المسؤولين.
بالتوازي مع أزمة استكمال الكابينة الوزارية، يبرز ملف الفصائل المسلحة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية أمام الحكومة الجديدة.
فالحكومة أعلنت منذ أيامها الأولى أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أولوية أساسية ضمن برنامجها الحكومي، خصوصاً مع اقتراب موعد إنهاء مهام التحالف الدولي في العراق.
وتؤكد مصادر سياسية أن بغداد تواجه ضغوطاً أميركية متواصلة لضمان عدم منح شخصيات أو جهات مرتبطة بالفصائل المسلحة مناصب تنفيذية مؤثرة داخل الحكومة أو المؤسسات الأمنية.
وتتزامن هذه الضغوط مع مؤشرات عن حراك سياسي وأمني متواصل لمناقشة مستقبل الفصائل المسلحة وآليات تنظيم علاقتها بالمؤسسات الرسمية، في إطار مساعٍ تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة وتوحيد القرار الأمني.
ورغم إعلان بعض الفصائل استعدادها لإجراء ترتيبات تنظيمية تتعلق بألويتها ضمن هيئة الحشد الشعبي، فإن خبراء يرون أن معالجة هذا الملف تتطلب توافقات سياسية وأمنية معقدة قد تستغرق وقتاً أطول من المدد الزمنية المعلنة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تواجه الحكومة تحدياً لا يقل صعوبة عن الملف الأمني، يتمثل في الأزمة المالية الناتجة عن تراجع الإيرادات النفطية وتوقف جزء مهم من الصادرات النفطية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على موارد الدولة.
ويؤكد مسؤولون في الائتلاف الحاكم أن الحكومة تركز حالياً على ضمان تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكات الحماية الاجتماعية، باعتبارها أولوية عاجلة لا تحتمل التأجيل. كما تتحدث الحكومة عن إعداد حزمة من الإجراءات الاقتصادية والمالية، من بينها إنشاء صندوق سيادي عراقي يهدف إلى إدارة الموارد المالية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، فضلاً عن توسيع مجالات التعاون والشراكة الاقتصادية مع الولايات المتحدة ودول أخرى.
ويرى مختصون أن نجاح هذه الخطط يبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على إيجاد مصادر تمويل مستدامة وتقليل الاعتماد شبه الكامل على العائدات النفطية.
ومن الملاحظ خلال الشهر الأول أن رئيس الوزراء علي الزيدي كان أقل ظهوراً في وسائل الإعلام مقارنة بعدد من رؤساء الحكومات السابقين، وهو ما أثار تبايناً في تقييم هذا النهج.
ففي حين يرى بعض المراقبين أن قلة الظهور الإعلامي تعكس رغبة في التركيز على العمل التنفيذي بعيداً عن التصريحات، يعتبر آخرون أن الرأي العام يحتاج إلى تواصل أكبر وشرح أوضح للسياسات الحكومية في ظل التحديات الراهنة.
ويقول الخبير في الشأن السياسي أحمد النعيمي إن الحكومة ما تزال في مرحلة التعرف على تفاصيل الملفات المتراكمة داخل مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن الحكم على أدائها في هذه المرحلة قد يكون مبكراً.
ويضيف أن التحديات التي تواجهها تشمل ملف الفصائل المسلحة، والأزمة المالية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتحسين قطاع الكهرباء، ومعالجة مشكلات الفقر والبطالة، وهي ملفات ورثتها الحكومة عن سنوات طويلة من الأزمات والتعقيدات.
ومع دخولها شهرها الثاني، تبدو حكومة الزيدي أمام اختبار حقيقي يتمثل في الانتقال من مرحلة التهدئة وترتيب الأولويات إلى مرحلة اتخاذ القرارات التنفيذية المؤثرة. فاستكمال الكابينة الوزارية، وضمان الاستقرار المالي، وإحراز تقدم ملموس في ملف حصر السلاح بيد الدولة، ستكون جميعها مؤشرات رئيسية سيُبنى عليها تقييم أداء الحكومة خلال الأشهر المقبلة، وسط ترقب شعبي واسع لما إذا كانت قادرة على تحقيق اختراق في ملفات طال انتظار معالجتها.