من السهل أن تُلقى مسؤولية تخلف الأمة على الاستعمار، أو الاستبداد، أو الفقر، أو الأمية، أو الفساد السياسي. وكل هذه عوامل حقيقية لا يمكن إنكارها. لكن من الضروري أيضًا أن نمتلك الشجاعة الفكرية للاعتراف بأن أحد أهم أسباب التخلف يكمن داخل البنية الثقافية للمجتمع نفسه، ويتمثل في الدور الذي يؤديه رجال الدين المتخلفون.
ولا نقصد بهذا الوصف كل رجل دين، ولا المؤسسة الدينية بوصفها مؤسسة، ولا الدين نفسه. وإنما نقصد فئة محددة من رجال الدين يمكن تعريفها تعريفًا موضوعيًا.
فرجل الدين المتخلف هو الذي يحمل عقلًا منغلقًا، ويجعل الماضي بديلًا عن المستقبل، ويقدم التقليد على الاجتهاد، ويعادي التفكير الحر، ويخاف من العلوم الحديثة، ويقاوم كل مشروع للإصلاح، ويحول الدين من قوة أخلاقية وحضارية إلى وسيلة للمحافظة على الجمود الاجتماعي والفكري. وهو لا يقاس بكمية محفوظاته، ولا بعدد مؤلفاته، ولا بمكانته الاجتماعية، وإنما يقاس بموقفه من المعرفة والعقل والإنسان والتقدم.
وهذا النوع من رجال الدين لا يكتفي بأن يكون متخلفًا، بل يعمل على إعادة إنتاج التخلف في المجتمع كله. فهو يربي الأجيال على الطاعة بدل المسؤولية، وعلى الحفظ بدل التفكير، وعلى الخوف بدل الحرية، وعلى الانشغال بالماضي بدل صناعة المستقبل.
والأخطر من ذلك أنه يمنح التخلف شرعية دينية. فالإنسان العادي قد يناقش السياسي، وقد يعارض الاقتصادي، وقد يختلف مع المثقف، لكنه يتردد كثيرًا في مخالفة رجل الدين إذا اعتقد أن كلامه يمثل إرادة الله. وهنا تتحول السلطة الدينية إلى قوة هائلة تستطيع أن توقف حركة المجتمع لعقود طويلة.
ولذلك فإن أثر رجل الدين المتخلف لا يقتصر على المسجد أو الحوزة أو الكنيسة، بل يمتد إلى المدرسة، والجامعة، والأسرة، والسياسة، والاقتصاد، والقانون، والعلاقات الاجتماعية. إنه يحدد ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز، وما يجوز السؤال عنه وما لا يجوز، فيصبح المجتمع كله أسيرًا لحدود عقله هو.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا استطاعت أمم كثيرة أن تتقدم عندما ظهر فيها رجال دين إصلاحيون فتحوا أبواب العلم والاجتهاد، ولماذا بقيت أمم أخرى تراوح مكانها عندما سيطر عليها رجال دين جعلوا مقاومة التغيير فضيلة، وجعلوا المحافظة على الموروث غاية بحد ذاتها، مهما تغيرت ظروف الحياة.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن رجل الدين لا يقاس بمقدار دفاعه عن الماضي، وإنما بمقدار مساهمته في تعظيم القيمة وتقليل الهدر. فإذا كان خطابه يزيد قيمة الإنسان، والعلم، والعمل، والحرية، والعدالة، والأخلاق، فهو يؤدي وظيفة حضارية، سواء أكان رجل دين أم غير ذلك. أما إذا كان يهدر طاقات الإنسان، ويعطل العقل، ويمنع التجديد، ويغذي الانقسام والكراهية، فإنه يؤدي وظيفة مضادة للحضارة، مهما كانت مكانته الدينية.
وليس المقصود إقصاء رجال الدين عن الحياة العامة، بل العكس تمامًا. فالمجتمع يحتاج إلى العلماء الربانيين والمصلحين والمجددين الذين يربطون الدين بالحياة، والإيمان بالعمل، والعبادة بالعمران، والأخلاق بالتقدم. لكن المجتمع يحتاج في الوقت نفسه إلى التحرر من هيمنة رجال الدين المتخلفين الذين جعلوا من التخلف فضيلة، ومن الاجتهاد خطرًا، ومن السؤال تهمة.
إن الأمم لا تنهض بمجرد تغيير الحكومات، ولا بمجرد إصلاح الاقتصاد، بل تحتاج أيضًا إلى إصلاح العقل الذي يقودها. وإذا كان السياسي المتخلف يفسد الدولة، فإن رجل الدين المتخلف قد يفسد العقل الذي يبني الدولة. ولهذا فإن إصلاح المؤسسة الدينية وتجديد الخطاب الديني ليسا قضية دينية فحسب، بل هما قضية حضارية تتعلق بمستقبل الأمة كلها.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الدين والحداثة، ولا بين الإيمان والعقل، وإنما بين عقل حضاري يرى الدين قوةً لإعمار الأرض والارتقاء بالإنسان، وعقل متخلف يحول الدين إلى أداة لتجميد التاريخ. ومن ينتصر في هذه المعركة، هو الذي يرسم مستقبل الأمة.