حسرة الرجال على الشباب امر مشكوك فيه. اما حسرة النساء على شبابهن فأمر لا استطيع تأكيده او نفيه او تعقيده. ثمة شيء مؤكد هو ان الشابة التي تعيش على جمالها تموت من زواله. والزمان اشد قسوة من الحرب على الجمال. ولكن هذا النوع من النساء ليس طبيعيا. فمن المفترض ان لكل عمر شؤونه وشجونه، مسؤولياته وألعابه.
العمل والعائلة والهواية عالم واسع. والمرأة الطبيعية مع تقدم السن ليس لديها وقت بوجود هذا العالم الواسع لتغرق نفسها في المرآة. ثم تمسك عن الحياة، وتقعد نادبة حظها على الجمال الذي كان. لكن هذا الامر قد يحدث مع مهن تنهض على استخدام الجمال كالتمثيل. المرحومة سعاد حسني نأت بنفسها عن الاضواء عندما قام الزمن معها بالواجب. سعاد « تمردت على الواقع»، بالإنسحاب منه، مفضلة استبقاء صورة السندريلا عند الناس.
ولعلها تصلبت في هذا الموقف، وصعدته الى الذروة باقدامها على الانتحار. كان ذلك مبدأ قاتلا. فجمال الخلقة لا يقوى على الزمن. جمال الروح وحده فوق الزمن، شأن كائنات استثنائية في الابداع او في الأخلاق.
وعلى اي حال فان القدر قد يرسم مصائر مأساوية لإولئك اللواتي يتعب الله في صنعهن، ويجعل من جمالهن تشنجيا، فتراهق على وقعه حتى الارض التي يسرن عليها. وهؤلاء قد يكن مثل النفط العراقي ثروة مدمرة، لأنفسهن ولمحيطهن.
ولعل بلدنا العزيز محظوظ بوجود احدى الثروتين لا كليهما. يكفينا النفط وطلايبه فينا. ولا ينقصنا ان ترقص على دمائنا الى جواره نساء الجمال التشنجي. وانا استعير هذا التعبير من الشاعر الفرنسي اندريه بريتون. اذ اتذكر له عبارة تقول ان» الجمال إّما ان يكون تشنجيا او لا يكون».
ولعل لهذا الفرنسي اعصابا من حديد حتى يتطلب او يحتمل كل هذا الجمال. او لعل من عادة القوم هناك ان تكون ثرواتهم نعمة. أما نحن ارباب كسح النعمة فان اعصابنا من حرير. العيون تنطلق في الشوارع كالقذائف اذا لاحت امرأة من بعيد. وهي لاشك تصبح نووية اذا كانت الصبية من النوع الذي يريده الفرنسي البطران.
وسيان في ذلك اكان الناظر اسلاميا او ليبراليا. ولربما كان الاسلاميون اشد وأمضى. ولقد سألت يوما احد شيوخ الاسلاميين الظرفاء: شيخنا لماذا نظراتكم الى النساء ثاقبة الى هذا الحد؟ قال: انتم شبعانين ونحن المشتكى الى الله! ولربما كان محقا. ولربما كانت الحسرة على الشباب عندهم لهذا السبب اقوى مما هي لدي. أنا لم اتحسر على شبابي يوما. ولربما لا اجد في حاضري الكهل ما اشكو او اسر منه. كانت حياتي معلقة دائما بين الماضي والمستقبل. لم اتعرف على الحاضر البتة. الحاضر غائب. الحياة مؤجلة. أما الماضي فانه مادة تفكير وعمل. واما المستقبل فهو تقاعد على كتاب وقلم ورياضة مشي مع ام زيد ولعب مع أحفاد. وعند ذاك سيكون شبابي في احسن حال، وليس كما كان ايام توله شرطي الأمن حسن ندا في مراقبتي! اين انت يا حسن؟ الله يسامحك!