بغداد – العالم
لم يعد تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق نقاشاً تشريعياً يدور داخل البرلمان وخارجه، بل انتقل إلى قاعات المحاكم، حيث بدأت تظهر آثاره في نزاعات تتعلق بالزواج والطلاق والحضانة، بعضها يرتبط بعقود أُبرمت قبل نفاذ التعديل. ومع دخول مدونة الأحكام الشرعية وفق المذهب الشيعي الجعفري حيز التطبيق، برزت أسئلة جديدة بشأن المراكز القانونية التي نشأت في ظل القانون السابق، ومدى إمكانية إعادة ترتيب بعض آثارها أمام القضاء.
وتكشف قرارات منشورة لمحكمة التمييز الاتحادية أن التطبيق لم يعد مسألة نظرية. فقد قررت الهيئة العامة للمحكمة في أحد أبرز أحكامها أن اختيار أحد طرفي عقد الزواج تطبيق الأحكام الشرعية للمذهب الشيعي الجعفري يمكن أن يسري على الزوج والزوجة والأولاد القاصرين، حتى من دون موافقة الطرف الآخر، سواء كانت العلاقة الزوجية قائمة أو منقضية.
وتكتسب الحضانة أهمية خاصة في هذا المسار، بعدما نصت المادة 81 من المدونة على بقاء حضانة الطفل لدى الأم حتى بلوغه سبع سنوات، ثم انتقالها إلى الأب، مع بقاء إمكانية منازعته في الحضانة إذا ثبت عدم أهليته لها. وقد طبقت محكمة التمييز هذا النص في قضية تعود إلى عقد زواج أُبرم قبل أكثر من عقد من صدور التعديل، ما يظهر بصورة مباشرة كيف يمكن لنزاع قديم أن يدخل في إطار قانوني جديد.
ولا يعني ذلك، في المقابل، أن القانون يعمل بأثر رجعي بصورة مطلقة. فقد أكدت محكمة التمييز الاتحادية في قرار آخر أن قانون التعديل ينفذ من تاريخ نشره ولا يسري على الحالات السابقة، مستندة إلى نص القانون وقاعدة عدم رجعية القوانين الواردة في القانون المدني. وهذا يضع المحاكم أمام تمييز دقيق بين الوقائع التي أجاز التعديل نفسه إعادة تنظيمها، وبين المراكز القانونية التي اكتملت قبل نفاذه ولا يجوز إعادة فتحها من دون سند قانوني.
ويزداد المشهد تعقيداً بسبب المرحلة الانتقالية التي سبقت نشر المدونة. فقد أوضحت محكمة التمييز أن المحاكم كانت تستطيع، قبل صدورها، الرجوع إلى المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بشأن المسائل الشرعية ذات الصلة، بينما أصبحت المدونة المرجع الواجب التطبيق بعد نشرها في الوقائع العراقية. كما أكدت المحكمة لاحقاً أن الرجوع إلى المجلس العلمي يبقى ممكناً في المسائل التي لا تتضمن المدونة نصاً بشأنها.
ورصدت «العالم» أن القضاء العراقي عمل على تنظيم التطبيق العملي للتعديل من خلال ورش قضائية في عدد من محاكم الاستئناف، ناقشت توحيد الإجراءات وآليات تطبيق النصوص المعدلة والمدونة، في محاولة لتقليل الاختلاف في التعامل مع القضايا الجديدة. ويعكس ذلك أن التحدي لم يعد متعلقاً بالنص وحده، وإنما بكيفية تفسيره وإنزاله على وقائع أسرية مختلفة.
أما الحضانة، التي تحولت إلى أكثر الملفات حساسية في النقاش المجتمعي، فلم تعد تُقرأ باعتبارها حقاً مجرداً لأحد الوالدين. ففي قرار قضائي أحدث، شددت محكمة التمييز على أن الحضانة نظام هدفه حماية المحضون ورعاية مصلحته، وأن انتقالها إلى الأب بعد سن السابعة لا يمنع المحكمة من التحقق من أهليته وغياب الموانع القانونية.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن تطبيق سن السابعة لا يعني بالضرورة أن انتقال الحضانة يتم آلياً في كل قضية من دون فحص قضائي. فالقرار التمييزي الصادر في 2026 أشار إلى ضرورة التحقق من صلاحية الأب للحضانة من خلال الأدلة الفنية والاجتماعية، بما يجعل مصلحة الطفل عنصراً حاضراً في تقدير المحكمة، إلى جانب النص القانوني.
وفي الجانب الآخر من الجدل، يطرح مؤيدو التعديل مسألة تأثيره في استقرار الأسرة ومعدلات الطلاق. غير أن إثبات وجود علاقة مباشرة بين تعديل القانون وتراجع الطلاق يحتاج إلى بيانات زمنية أوسع ودراسة متعددة العوامل، لأن معدلات الطلاق تتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية وتغيرات السلوك والإجراءات القضائية، ولا يمكن تحميل التشريع وحده مسؤولية الارتفاع أو الانخفاض.
وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن القضية الأهم التي فرضها التعديل داخل المحاكم ليست فقط: أي أحكام ستطبق؟ وإنما أيضاً: كيف تُحفظ الحقوق التي نشأت في ظل قانون سابق عندما تدخل علاقة أسرية قديمة في إطار تشريعي جديد؟ وهنا تبرز أهمية التفسير القضائي المستقر، وتوحيد الإجراءات، وإتاحة فهم واضح للأزواج والأمهات والآباء قبل أن تتحول الخلافات الأسرية إلى نزاعات قانونية طويلة.
فالتعديل غيّر بالفعل جزءاً من الخريطة القانونية للأحوال الشخصية، لكن آثاره النهائية لن تُقاس بالنصوص وحدها، بل بما ستنتجه المحاكم من مبادئ مستقرة في السنوات المقبلة. وبين حق اختيار المرجعية القانونية، ومبدأ عدم رجعية القوانين، ومصلحة الطفل، تبقى الأسرة العراقية أمام مرحلة جديدة تحتاج إلى وضوح تشريعي وقضائي يوازن بين النصوص والحقوق والمراكز القانونية القائمة.





