أربيل والسليمانية أمام معادلة جديدة.. هل تعيد صلاحيات نائب رئيس الحكومة نظام الإدارتين؟

هيئة التحريرمنذ 14 دقيقةآخر تحديث :
أربيل والسليمانية أمام معادلة جديدة.. هل تعيد صلاحيات نائب رئيس الحكومة نظام الإدارتين؟

بغداد – العالم

تدخل مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة في إقليم كردستان مرحلة أكثر تعقيداً، مع بروز مقترح يقضي بمنح نائب رئيس حكومة الإقليم، المحسوب على الاتحاد الوطني الكردستاني، صلاحيات واسعة في إدارة محافظتي السليمانية وحلبجة. وإذا تحولت هذه الصلاحيات من مجرد تفاهم سياسي إلى اختصاصات تنفيذية مستقلة في الأمن والاقتصاد والتعيينات والموارد، فقد تفتح الباب أمام نموذج إداري مزدوج يعيد إلى الواجهة تجربة «الإدارتين» التي عرفها الإقليم خلال سنوات سابقة.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بشأن شكل الحكومة المقبلة وتوزيع المناصب والصلاحيات. ولم يتمكن الحزبان، رغم مرور نحو عامين على انتخابات برلمان الإقليم، من استكمال تشكيل الكابينة العاشرة أو إعادة البرلمان إلى العمل بصورة طبيعية. وتظهر نتائج انتخابات 2024 أن الحزب الديمقراطي حصل على 39 مقعداً من أصل 100، مقابل 23 مقعداً للاتحاد الوطني، ما جعل أياً منهما غير قادر على تشكيل الحكومة منفرداً.

ورصدت «العالم» أن جوهر الخلاف لا يتعلق بعدد الوزارات فقط، بل بطبيعة القرار داخل حكومة الإقليم. فالحديث عن توسيع صلاحيات نائب رئيس الحكومة يعكس مطالبة الاتحاد الوطني بأن تكون مشاركته في السلطة تنفيذية فعلية، لا مجرد حصوله على حصة من المناصب الوزارية، بينما يرى الحزب الديمقراطي أن أي تسوية يجب ألا تؤدي إلى إنشاء مركز حكومي موازٍ لرئيس الحكومة في أربيل.

وتعود جذور هذه المعضلة إلى تاريخ طويل من المنافسة بين الحزبين. فقد عاش الإقليم خلال تسعينيات القرن الماضي انقساماً فعلياً بين إدارتين، إحداهما في أربيل ودهوك بقيادة الحزب الديمقراطي، والأخرى في السليمانية ومناطق نفوذ الاتحاد الوطني. ورغم توحيد المؤسسات لاحقاً، بقيت آثار الانقسام السياسي والأمني والاقتصادي حاضرة بدرجات مختلفة، واستمرت لكل حزب مناطق نفوذ وشبكات سياسية وإدارية خاصة به. وتشير تقارير بحثية حديثة إلى أن الحزبين ما زالا يمثلان القوتين الرئيسيتين في الإقليم، مع استمرار التنافس بينهما على المؤسسات والموارد والملفات الأمنية.

ومن هذه الزاوية، فإن المقترح الجديد يحمل احتمالين مختلفين. الأول أن تكون الصلاحيات الموسعة لنائب رئيس الحكومة جزءاً من ترتيبات إدارية داخل حكومة واحدة، بهدف معالجة مطالب السليمانية وحلبجة وتحقيق قدر أكبر من اللامركزية. أما الثاني، وهو الأكثر حساسية، فيتمثل في إنشاء مركز قرار فعلي داخل السليمانية يمتلك صلاحيات مستقلة في الإدارة والمال والأمن والتعيينات، بما يجعل الإقليم عملياً أمام إدارتين من دون إعلان رسمي عن ذلك.

ويؤكد سياسيون من الاتحاد الوطني أن مطلبهم لا يستهدف تفكيك مؤسسات الإقليم، وإنما ضمان شراكة حقيقية في الملفات الأساسية، وفي مقدمتها الطاقة والأمن والإدارة والاتفاقات الكبرى. ويطرح الحزب كذلك مسألة التفاوت في التنمية والخدمات والتعيينات بين مناطق الإقليم، خصوصاً السليمانية وحلبجة، باعتبارها سبباً إضافياً للمطالبة بصلاحيات أوسع لنائب رئيس الحكومة.

في المقابل، ينفي الحزب الديمقراطي الكردستاني وجود توجه للعودة إلى نظام الإدارتين، ويقدم توسيع صلاحيات نائب رئيس الحكومة باعتباره مرونة سياسية لإنهاء الانسداد. ووفق هذا الطرح، فإن منح نائب رئيس الحكومة دوراً أكبر في محافظتي السليمانية وحلبجة لا يعني سحب الصلاحيات الدستورية من رئيس الحكومة، وإنما يمكن أن يكون جزءاً من تسوية سياسية تسمح بتشكيل الكابينة الجديدة وإعادة البرلمان إلى العمل.

ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر بعد التطورات القضائية الأخيرة. فقد رفضت المحكمة الاتحادية العليا دعوى تطالب بحل برلمان كردستان، بينما أرجأت النظر في دعوى أخرى تطالب بتقييد صلاحيات حكومة الإقليم واعتبارها حكومة تصريف أعمال إلى 14 كانون الأول. ويأتي ذلك في وقت لا يزال فيه البرلمان المنتخب بعد انتخابات 2024 عاجزاً عن استكمال استحقاقاته، فيما تستمر الحكومة الحالية في إدارة شؤون الإقليم.

 

وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن القرار القضائي يزيل أحد الضغوط القانونية المباشرة عن البرلمان، لكنه لا ينهي الأزمة السياسية التي تقف خلف تعطيل مؤسسات الإقليم. ولذلك تبدو مفاوضات الحزبين أمام اختبار مزدوج: الاتفاق على شكل الحكومة من جهة، وتحديد حدود الصلاحيات داخلها من جهة أخرى.

والسؤال الحاسم هنا ليس ما إذا كان الإقليم سيعلن رسمياً العودة إلى نظام الإدارتين، فهذا غير مطروح بهذه الصيغة، وإنما ما إذا كانت الترتيبات الجديدة ستنتج واقعاً إدارياً يشبهه. فإذا بقيت صلاحيات نائب رئيس الحكومة ضمن الهيكل الموحد لحكومة الإقليم، فقد تمثل التسوية شكلاً من أشكال اللامركزية السياسية والإدارية. أما إذا امتدت إلى إدارة مستقلة للموارد والأمن والتعيينات والقرار التنفيذي، فقد يظهر مركز ثانٍ للسلطة داخل الإقليم.

وبذلك تبدو أزمة أربيل والسليمانية أكبر من خلاف على منصب أو وزارة. إنها مفاوضة على شكل السلطة نفسها: هل يستمر نموذج الشراكة المركزية بين الحزبين، أم يجري توزيع الصلاحيات جغرافياً بصورة أوسع؟ الإجابة ستتحدد في تفاصيل الاتفاق النهائي، وفي مدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى مؤسسات موحدة، بدلاً من إعادة إنتاج الانقسام القديم بصورة جديدة.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!