العراق وسوريا… من الجوار الجغرافي إلى العمق الاستراتيجي المتبادل

هيئة التحريرمنذ 12 دقيقةآخر تحديث :
العراق وسوريا… من الجوار الجغرافي إلى العمق الاستراتيجي المتبادل

العراق وسوريا (١)

من الجوار الجغرافي إلى العمق الاستراتيجي المتبادل

محمد عبد الجبار الشبوط

تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق، ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع في الثامن والعشرين من تشرين الأول ٢٠٢٦، أهمية استراتيجية تتجاوز حدود الزيارة الدبلوماسية التقليدية، لأنها تأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات عميقة في موازين القوى والممرات الاقتصادية والعلاقات بين دولها، وتطرح على العراق وسوريا فرصة لإعادة بناء علاقاتهما على أساس المصالح الوطنية المتبادلة، بعيداً عن الخلافات الأيديولوجية والصراعات السياسية التي عطلت إمكانات التعاون بينهما طوال عقود. وقد شملت أجندة الزيارة التعاون الاقتصادي والتجاري والنقل والطاقة والأمن، وهي المجالات التي تشكل القاعدة العملية لأي شراكة استراتيجية مستدامة بين الدولتين.

والمدخل الصحيح لفهم الأهمية الاستراتيجية لهذه الزيارة هو إدراك حقيقة جيوسياسية أساسية، تتمثل في أن العراق وسوريا يشكل كل منهما عمقاً استراتيجياً للآخر، ليس بسبب الجوار الجغرافي وحده، وإنما بسبب الترابط التاريخي والاقتصادي والأمني والبشري بينهما، وبسبب الموقع الذي يحتله البلدان في شبكة المواصلات والطاقة والتجارة الممتدة من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، ومن إيران وآسيا إلى تركيا وأوروبا.

فالعمق الاستراتيجي لا يعني بالضرورة امتلاك أراضٍ خارج الحدود الوطنية، ولا إقامة مناطق نفوذ في الدول المجاورة، وإنما يعني قدرة الدولة على الاستفادة من محيطها الجغرافي والاقتصادي والأمني لتعزيز استقلال قرارها الوطني، وتنويع خياراتها، وتقليل تعرضها للمخاطر، وزيادة قدرتها على حماية مصالحها الحيوية. ومن هذه الزاوية، تمثل سوريا امتداداً استراتيجياً غربياً للعراق نحو البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، بينما يمثل العراق امتداداً استراتيجياً شرقياً لسوريا نحو الخليج العربي وإيران والفضاء الاقتصادي الآسيوي.

غير أن هذه الحقيقة الجغرافية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء علاقة استراتيجية متينة، لأن الجغرافيا توفر الإمكانات، بينما يتوقف تحويلها إلى قوة فعلية على طبيعة العلاقات الاقتصادية والإنتاجية والمؤسسية التي تنشأ بين الدولتين. ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي الأهم ليس ما إذا كان العراق وسوريا يحتاج أحدهما إلى الآخر، وإنما كيف يستطيعان تحويل هذا الاحتياج المتبادل إلى قاعدة اقتصادية منتجة، وشبكة مصالح مستقرة، ومشروعات مشتركة تجعل التعاون بينهما ضرورة تنموية وأمنية طويلة الأمد.

وتكشف الأرقام الاقتصادية عن حجم الفرصة التي لم تستثمر بعد. فقد بلغت الصادرات السورية إلى العراق سنة ٢٠١٠ نحو ٢٫٢٩ مليار دولار، وفق بيانات التجارة الدولية المستندة إلى قاعدة الأمم المتحدة، وكانت تشمل المنتجات الزراعية والغذائية والألبان والبلاستيك والمنسوجات والأدوية والمواد الصناعية. وهذا يعني أن السوق العراقية كانت تستوعب تشكيلة واسعة من المنتجات السورية، وأن العلاقات الاقتصادية بين البلدين امتلكت بالفعل قاعدة إنتاجية وتجارية مهمة قبل اندلاع الحرب السورية.

لكن هذه العلاقة تعرضت لانكماش شديد خلال سنوات الحرب والاضطرابات الأمنية وإغلاق المعابر وتعطل الإنتاج. وتشير الأرقام التي نقلتها تقارير اقتصادية عن وزارة المالية العراقية إلى أن الصادرات السورية إلى العراق بلغت نحو ٥٨ مليون دولار سنة ٢٠٢٤، ثم ارتفعت إلى نحو ٦٢ مليون دولار سنة ٢٠٢٥، أي بزيادة تقارب ٦٫٩ في المئة. وإذا قارنا هذا الرقم بمستوى الصادرات السورية إلى العراق سنة ٢٠١٠، مع مراعاة اختلاف مصادر البيانات ومنهجياتها، نجد أن القيمة الحالية لا تمثل سوى نحو ٢٫٧ في المئة من مستواها السابق، وهو مؤشر بالغ الدلالة على حجم الانكماش الذي أصاب إحدى العلاقات التجارية المهمة في المشرق العربي. شفق نيوز.. +1

وهذه الأرقام لا تعني مجرد خسارة تجارية محدودة، وإنما تكشف عن تعطيل منظومة اقتصادية كانت تربط المصانع والمزارع والأسواق وشركات النقل والتوزيع في البلدين، وتوفر فرص عمل ودخولاً لعشرات الأنشطة الإنتاجية والخدمية. ولذلك فإن استعادة العلاقات الاقتصادية لا ينبغي أن تقتصر على العودة إلى مستوى المبادلات السابق، وإنما يجب أن تستهدف بناء قاعدة أوسع للتكامل الإنتاجي، تستفيد من الموارد العراقية والقدرات الصناعية والزراعية السورية، ومن الأسواق والممرات الجغرافية المتاحة للطرفين.

ويزداد المعنى الاستراتيجي لهذه الأرقام عندما نضعها في سياق الحجم الاقتصادي للبلدين. فالاقتصاد العراقي، الذي يقدر ناتجه المحلي الإجمالي بنحو ربع تريليون دولار، يمتلك سوقاً واسعة وموارد مالية وطاقوية كبيرة، لكنه يعاني من اختلالات هيكلية تتمثل في الاعتماد المرتفع على النفط وضعف التنويع الإنتاجي. أما الاقتصاد السوري فقد تعرض لانكماش حاد نتيجة الحرب، إذ قدر البنك الدولي ناتجه المحلي الإجمالي بنحو ٢١٫٤ مليار دولار سنة ٢٠٢٤، بعد أن كان يبلغ نحو ٦٧٫٥ مليار دولار سنة ٢٠١١. وهذا التفاوت في الحجم الاقتصادي لا يلغي إمكانات التكامل، وإنما يجعلها أكثر أهمية، لأن الشراكة تستطيع أن تقوم على تلاقي الموارد والاحتياجات والقدرات المختلفة، وليس على تماثل البنيتين الاقتصاديتين.

ومن أبرز المجالات التي يمكن أن تتحول فيها هذه العلاقة إلى شراكة استراتيجية حقيقية قطاع النفط والطاقة، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي وأحد أهم مجالات الترابط المحتملة مع الاقتصاد السوري. فقد امتلك العراق تاريخياً منفذاً نفطياً إلى البحر المتوسط عبر خط كركوك–بانياس، لكن الحروب والصراعات وتعطل البنية التحتية أدت إلى توقفه وفقدان وظيفته الاقتصادية. واليوم تعود فكرة الربط النفطي بين العراق وسوريا إلى الواجهة، ولكن على نطاق أكبر بكثير من المشروع التاريخي القديم.

فقد نقلت وكالة رويترز في السابع عشر من آب ٢٠٢٦ عن مصادر مطلعة أن مشروعاً جديداً لنقل النفط العراقي عبر سوريا إلى ميناء بانياس قد تبلغ كلفته ١٥ مليار دولار أو أكثر، وأنه يستهدف طاقة تصديرية أولية تصل إلى مليوني برميل يومياً، مع حاجة تنفيذه إلى أربع سنوات على الأقل. وهذه أرقام لمشروع قيد الدراسة، وليست طاقة تشغيلية متحققة أو التزاماً استثمارياً نهائياً، لكنها تكشف عن الحجم الاستراتيجي الذي يمكن أن تبلغه الشراكة الطاقوية بين البلدين.

ولإدراك الأهمية الاقتصادية لهذا المشروع، يكفي أن نحسب القيمة الإجمالية للنفط الذي يمكن نقله عبره في حال تشغيله بكامل طاقته المستهدفة. فإذا افترضنا سعراً قدره ٧٠ دولاراً للبرميل، فإن نقل مليوني برميل يومياً يعادل قيمة نفطية إجمالية تبلغ نحو ١٤٠ مليون دولار يومياً، أو نحو ٥١٫١ مليار دولار سنوياً. ولا يعني هذا أن المشروع سيضيف هذا المبلغ إلى إيرادات العراق، لأن جانباً كبيراً من النفط المنقول قد يكون منتجاً ومصدّراً أصلاً عبر منافذ أخرى، وإنما تكمن قيمته الاستراتيجية في توفير منفذ تصديري إضافي، وتنويع مسارات الوصول إلى الأسواق العالمية، وتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد المفرط على طريق بحري واحد.

وهنا تتضح العلاقة بين الاقتصاد والأمن القومي. فالدولة التي تعتمد على ممر تصديري واحد تكون أكثر تعرضاً للصدمات الجيوسياسية، حتى لو امتلكت موارد إنتاجية كبيرة. أما الدولة التي تستطيع توزيع صادراتها على ممرات بحرية وبرية متعددة، فإنها تتمتع بمرونة أكبر في مواجهة الأزمات، وقدرة أعلى على المحافظة على تدفق مواردها المالية. ومن هذا المنظور، لا يمثل الممر النفطي العراقي السوري مجرد مشروع لأنابيب النفط، وإنما يمثل استثماراً في الأمن الاقتصادي العراقي، وفي الوقت نفسه فرصة لسوريا للحصول على رسوم العبور والخدمات والاستثمارات المرتبطة بالنقل والتخزين والصيانة والتشغيل.

ويمكن توضيح حجم هذه الفرصة بالنسبة إلى سوريا بحساب افتراضي بسيط: فإذا بلغ حجم النفط العابر مليوني برميل يومياً، وكانت رسوم العبور والخدمات التي تحصل عليها سوريا دولاراً واحداً عن كل برميل، فإن الإيرادات الإجمالية السنوية قد تبلغ نحو ٧٣٠ مليون دولار. وإذا بلغت الرسوم دولارين للبرميل، فقد تصل إلى نحو ١٫٤٦ مليار دولار سنوياً. وهذه ليست تقديرات لعوائد متفق عليها، وإنما سيناريوهات حسابية توضح حساسية العوائد لحجم التدفقات والتعرفة، قبل احتساب تكاليف التشغيل والصيانة والتمويل. لكنها تكفي لإظهار أن مشروعات الربط الطاقوي تستطيع أن تنشئ مصالح اقتصادية متبادلة تتجاوز بكثير حجم المبادلات التجارية الحالية.

ولا تنحصر أهمية سوريا للعراق في تصدير النفط، بل تمتد إلى التجارة الخارجية والنقل البري والسكك الحديدية والموانئ والخدمات اللوجستية. فالموقع الجغرافي العراقي يجعله حلقة اتصال محتملة بين الخليج العربي وتركيا وإيران وسوريا، بينما توفر الموانئ السورية على البحر المتوسط إمكان الوصول إلى أسواق إضافية. ومن شأن تطوير شبكات النقل بين البلدين أن يمنح الاقتصاد العراقي منافذ جديدة للاستيراد والتصدير، وأن يعزز موقع سوريا بوصفها مركز عبور وتوزيع إقليمي.

لكن القيمة الاقتصادية لهذه الممرات لا يمكن قياسها بالمسافة الجغرافية وحدها، وإنما يجب حسابها وفق كلفة نقل الطن الواحد، والوقت اللازم لوصول البضائع، وكفاءة الإجراءات الجمركية، وطاقة الموانئ والطرق والسكك الحديدية، ومستوى الأمن والتأمين والخدمات. ولهذا فإن تطوير الممر العراقي السوري يحتاج إلى دراسات جدوى تقارن بينه وبين الممرات الأخرى المتاحة للعراق، وتحدد المجالات التي يستطيع فيها تحقيق ميزة تنافسية حقيقية، سواء في نقل النفط أو البضائع أو الحاويات أو المواد الأولية.

وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى الممر السوري بوصفه مكملاً للممرات العراقية الأخرى، وليس بديلاً عنها، بما في ذلك مشروع طريق التنمية العراقي الذي يستهدف ربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا. فالقيمة الاستراتيجية الكبرى تتحقق عندما يمتلك العراق شبكة متعددة الاتجاهات من الممرات، بدلاً من الاعتماد على اتجاه واحد، وعندما يستطيع توظيف موقعه الجغرافي ليصبح مركزاً للتجارة والنقل والإنتاج، لا مجرد سوق استهلاكية للبضائع القادمة من الخارج.

ويبرز مجال اقتصادي آخر لا يقل أهمية عن النفط والنقل، يتمثل في إعادة إعمار سوريا، التي تعد واحدة من أكبر عمليات إعادة البناء المطلوبة في المنطقة. فقد قدر البنك الدولي في تشرين الأول ٢٠٢٥ كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو ٢١٦ مليار دولار، موزعة على ٨٢ مليار دولار للبنية التحتية، و٧٥ مليار دولار للمباني السكنية، و٥٩ مليار دولار للمباني غير السكنية، مع الإشارة إلى أن التقديرات محاطة بهامش من عدم اليقين، وأنها لا تشمل بالضرورة جميع احتياجات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وهذه الأرقام تفتح أمام العراق مجالاً واسعاً للمشاركة الاقتصادية والإنتاجية في إعادة الإعمار، ليس من خلال تصدير المواد الإنشائية والمنتجات الصناعية وحدها، وإنما من خلال إقامة مشروعات مشتركة في الإسمنت والحديد والمواد الكهربائية والصناعات الغذائية والأدوية والخدمات الهندسية والمقاولات والنقل. فإذا تمكنت الشركات العراقية والسورية المشتركة، على سبيل المثال، من الحصول على مشروعات تعادل واحداً في المئة فقط من القيمة المقدرة لإعادة الإعمار، فإن ذلك يعني أعمالاً بقيمة ٢٫١٦ مليار دولار موزعة على سنوات التنفيذ. وهذه ليست حصة متوقعة أو مضمونة، وإنما مثال على حجم الفرص التي يمكن أن تنشأ عندما تتحول العلاقات الثنائية إلى شراكة استثمارية وإنتاجية منظمة.

غير أن الأهمية الأعمق لهذه الفرصة لا تتمثل في قيمة العقود وحدها، وإنما في إمكان إقامة صناعات مشتركة تخدم أسواق البلدين وتستفيد من الطلب الكبير على مواد البناء والتجهيزات والمعدات والخدمات. فالعراق يستطيع أن يوفر جانباً من التمويل والطاقة والمواد الأولية والأسواق، بينما تستطيع سوريا أن توفر مواقع الإنتاج والخبرات الصناعية والعمالة والأسواق المحلية، وفق دراسات تحدد الميزة الاقتصادية الفعلية لكل مشروع. وبهذا المعنى، تتحول إعادة الإعمار من عملية استهلاك للمواد المستوردة إلى فرصة لبناء قاعدة إنتاجية جديدة في البلدين.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!