بغداد – العالم
كشفت تفاصيل أمنية جديدة عن الكيفية التي قادت إلى إلقاء القبض على أحد المطلوبين بتهم تتعلق بالانتماء إلى تنظيم داعش، المعروف بالكنية «أبو محمد»، في محافظة السليمانية، بعد سنوات من التنقل والتخفي. ووفق المعطيات التي أعلنها جهاز الأمن الوطني، بدأت إحدى أهم حلقات الملاحقة باعتقال ابن شقيق المتهم، قبل أن تتحول المعلومات المستحصلة من التحقيق إلى خيط استخباري أسهم في تحديد تحركاته ومكان وجوده.
وقال المتحدث باسم جهاز الأمن الوطني أرشد الحاكم، في تصريحات تابعتها «العالم»، إن العملية تمت بالتنسيق بين مديرية أمن بغداد وقوات الأسايش في إقليم كردستان، مشيراً إلى أن التعاون الاستخباري أسهم في استكمال المعلومات وتحديد موقع المطلوب، وصولاً إلى إلقاء القبض عليه في السليمانية.
وبحسب إفادات الجهاز، تعود بداية نشاط المتهم إلى عام 2005، عندما انضم إلى جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم داعش، وتلقى خلال فترة اعتقاله في سجن بوكا أفكاراً متطرفة، قبل أن يستأنف نشاطه بعد الإفراج عنه. وتقول الأجهزة الأمنية إنه تولى لاحقاً مهام نقل الأشخاص والمعدات والمساعدة في استقطاب عناصر جديدة.
ومع توسع نشاط تنظيم داعش عام 2014، اتسعت، وفق الرواية الأمنية، المهام المنسوبة إلى «أبو محمد»، لتشمل جمع الأسلحة والعتاد ونقلها إلى عناصر التنظيم في المناطق الصحراوية، فضلاً عن الاستيلاء على أسلحة من منازل المواطنين وتسليمها إلى التنظيم.
كما نسبت إليه الأجهزة الأمنية إعداد منشورات تحريضية وتوزيعها بصورة سرية، إضافة إلى تهديد مواطنين ومنتسبين في الأجهزة الأمنية والمشاركة في هجمات استهدفت مواقع أمنية ومنشآت حيوية.
ومع تقدم القوات العراقية في عمليات تحرير الأنبار، غادر المتهم، وفق المعطيات الأمنية، باتجاه القائم، ثم انتقل إلى سوريا وتركيا، حيث واصل نشاطه ضمن تشكيلات مرتبطة بالتنظيم، وتولى، بحسب جهاز الأمن الوطني، مسؤوليات مالية تتعلق بإدارة أموال الكفالات وتوزيعها على عائلات عناصر التنظيم الهاربين.
خيط السليمانية
وتشير المعلومات التي كشفها جهاز الأمن الوطني إلى أن المتهم انتقل إلى محافظة السليمانية عام 2020 واتخذ منها مكاناً للإقامة، مع استمرار تحركاته السرية بين عدد من المحافظات العراقية.
لكن التطور الأهم في مسار القضية جاء مع اعتقال ابن شقيقه في العام نفسه. ووفق رواية الجهاز، أسهمت المعلومات التي جرى الحصول عليها خلال التحقيق في فتح خيط جديد يتعلق بنشاط «أبو محمد» وتحركاته والأماكن التي يمكن أن يكون موجوداً فيها.
ورصدت «العالم» أن أهمية هذه المعلومة لا ترتبط فقط باعتقال أحد أفراد عائلة المطلوب، وإنما بقدرتها على تحويل التحقيق إلى مسار استخباري أوسع، عبر مطابقة المعلومات مع بيانات سابقة عن نشاط المتهم وتحركاته وعلاقاته، وصولاً إلى تضييق نطاق البحث عنه.
وبحسب جهاز الأمن الوطني، استمر التنسيق بين الجهات الأمنية الاتحادية وقوات الأسايش، قبل أن تنتهي المتابعة بتحديد مكان المطلوب وإلقاء القبض عليه في السليمانية.
وتأتي هذه العملية في وقت تشهد فيه مناطق إقليم كردستان عمليات أمنية متواصلة ضد خلايا مرتبطة بتنظيم داعش. فقد أعلنت الأسايش، في عمليات سابقة، اعتقال 22 متهماً في السليمانية وحلبجة وبنجوين وخورمال وسيروان، بعد معلومات استخبارية وتحقيقات استمرت 96 ساعة. وقالت إن المعتقلين كانوا يخططون لإعادة تنظيم صفوفهم وتنفيذ هجمات وربط خلايا داخل العراق بعناصر التنظيم الموجودة خارج البلاد.
كما أعلنت السلطات الأمنية في الإقليم ضبط أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية خلال تلك العمليات، فيما استمرت التحقيقات مع الموقوفين وفق قانون مكافحة الإرهاب.
ويرى الخبير الأمني صفاء الأعسم، في تصريحات تابعتها «العالم»، أن التعاون الاستخباري بين بغداد وأجهزة الأمن في إقليم كردستان يمثل أحد المسارات المهمة في ملاحقة المطلوبين، خصوصاً أن عناصر التنظيم تعتمد على الحركة بين المحافظات والمناطق لتجنب الرصد.
ويشير إلى أن التنسيق الأمني بين الطرفين يجري عبر قنوات اتصال وغرف عمليات مشتركة، وأن تبادل المعلومات يمكن أن يسهم في الوصول إلى المطلوبين الذين يحاولون استغلال الحدود الإدارية والجغرافية للاختباء أو إعادة بناء شبكاتهم.
ويضيف أن مستوى التعاون الأمني قد يتأثر أحياناً بالخلافات السياسية بين بغداد وأربيل، إلا أن طبيعة التهديدات المرتبطة بالإرهاب تفرض، بحسب رأيه، استمرار قنوات الاتصال بين المؤسسات الأمنية بعيداً عن التجاذبات السياسية.
وتشير عمليات الاعتقال الأخيرة إلى أن الخلايا النائمة لا تعتمد فقط على النشاط المسلح المباشر، بل تستفيد أيضاً من شبكات مالية ولوجستية واتصالات تساعدها على إعادة تنظيم صفوفها. وتظهر التحقيقات المعلنة أن متابعة هذه الشبكات تحتاج إلى تراكم المعلومات وربطها بين أكثر من جهاز أمني.
وفي هذا السياق، فإن قضية «أبو محمد» تقدم نموذجاً لمسار يبدأ بمعلومة صغيرة، ثم تتوسع خيوطه عبر التحقيق والمتابعة والرصد والتنسيق بين المؤسسات، قبل الوصول إلى الهدف النهائي.
وبينما تواصل الأجهزة الأمنية ملاحقة المطلوبين والخلايا المرتبطة بالتنظيم، يبقى التحدي الأبرز هو منع استغلال الفراغات الأمنية والمناطق الوعرة لإعادة بناء النشاط الإرهابي، وتعزيز تبادل المعلومات بين بغداد وإقليم كردستان بما يحول دون تحول الخلايا المتفرقة إلى شبكات قادرة على استعادة نشاطها.





