العراق وسوريا (٤) نحو فضاء اقتصادي وإنتاجي مشترك

هيئة التحريرمنذ 42 دقيقةآخر تحديث :
العراق وسوريا (٤) نحو فضاء اقتصادي وإنتاجي مشترك

محمد عبد الجبار الشبوط

لا يمكن بناء علاقة استراتيجية مستدامة بين العراق وسوريا بالاعتماد على الجوار الجغرافي والروابط التاريخية والتفاهمات السياسية وحدها، مهما بلغت أهميتها، لأن العلاقات بين الدول لا تكتسب عمقها الحقيقي إلا عندما تستند إلى قاعدة مادية من المصالح الاقتصادية والإنتاجية المتبادلة، تجعل استمرار التعاون ضرورة تنموية، وتمنح الطرفين أسباباً عملية للمحافظة على الاستقرار وتطوير العلاقات. ومن هنا فإن الانتقال من العلاقات الثنائية التقليدية إلى فضاء اقتصادي وإنتاجي عراقي سوري مشترك يمثل أحد أهم الاختبارات العملية لقدرة البلدين على تحويل موقعهما الجغرافي ومواردهما البشرية والطبيعية إلى قوة اقتصادية واستراتيجية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد زيادة حجم التبادل التجاري أو إعادة فتح المعابر الحدودية، وإنما بإعادة النظر في طبيعة العلاقة الاقتصادية نفسها، والانتقال بها من تبادل السلع بين سوقين منفصلتين إلى بناء شبكة مترابطة من الإنتاج والنقل والطاقة والاستثمار والخدمات، تستطيع أن تولد قيمة اقتصادية إضافية داخل البلدين، وتفتح أمام المواطنين فرصاً أوسع للعمل والإنتاج وتحسين مستوى المعيشة.

وهذا الانتقال يقتضي التمييز بين التجارة والتكامل الإنتاجي. فالتجارة تسمح لكل بلد ببيع منتجاته في سوق البلد الآخر، أما التكامل الإنتاجي فينشئ علاقات أعمق، تصبح فيها المواد الأولية والطاقة ورأس المال والعمل والمعرفة والخدمات أجزاء من عملية إنتاج مشتركة، تتوزع مراحلها بين البلدين وفق المزايا الاقتصادية المتاحة لكل منهما. وفي الحالة الثانية، لا يقتصر أثر العلاقة على حركة البضائع عبر الحدود، وإنما يمتد إلى تكوين صناعات جديدة، وزيادة الإنتاجية، ونقل الخبرات، ورفع القيمة المضافة، وتعزيز قدرة الاقتصادين على المنافسة.

وتكشف المؤشرات الاقتصادية عن وجود فجوة واسعة بين الإمكانات المتاحة ومستوى استثمارها الفعلي. فقد بلغت الصادرات السورية إلى العراق نحو ٢٫٢٩ مليار دولار سنة ٢٠١٠، بينما أشارت بيانات منشورة عن التجارة الثنائية إلى انخفاضها إلى نحو ٥٨ مليون دولار سنة ٢٠٢٤، ثم ارتفاعها المحدود إلى نحو ٦٢ مليون دولار سنة ٢٠٢٥. ومع ضرورة مراعاة اختلاف مصادر البيانات وطرق احتساب التجارة الرسمية، فإن هذه الأرقام تعكس انكماشاً حاداً في واحدة من العلاقات التجارية التاريخية المهمة في المشرق العربي.

ولا يعني هذا الانكماش مجرد خسارة في قيمة المبادلات التجارية، وإنما يعكس تعطيل شبكة واسعة من العلاقات الإنتاجية التي كانت تربط المزارعين والمصانع وشركات النقل والتجار والأسواق في البلدين. فقد كانت السوق العراقية تستوعب منتجات سورية زراعية وغذائية وصناعية متنوعة، بينما كانت حركة النقل والتجارة توفر دخلاً وفرص عمل لقطاعات متعددة. ولذلك فإن إعادة بناء هذه العلاقة ينبغي ألا تستهدف العودة إلى مستويات ما قبل الحرب فحسب، وإنما إنشاء بنية اقتصادية أكثر تنوعاً وقدرة على الاستمرار.

ويكتسب هذا الهدف أهمية إضافية بالنظر إلى الاختلاف البنيوي بين الاقتصادين. فالعراق يمتلك موارد نفطية كبيرة وسوقاً داخلية واسعة وقدرة مالية مرتبطة بإيرادات الطاقة، لكنه يعاني من الاعتماد المفرط على النفط وضعف التنويع الصناعي والزراعي. أما سوريا فقد تعرض اقتصادها لأضرار جسيمة نتيجة سنوات الحرب، وانكمش إنتاجها الصناعي والزراعي، وتضررت بنيتها التحتية، لكنها ما زالت تمتلك موارد بشرية وخبرات إنتاجية وموقعاً جغرافياً مهماً على البحر المتوسط. وهذا الاختلاف يتيح إمكانات للتكامل، لكنه لا يضمن نجاحه تلقائياً، لأن تحويل الموارد والاحتياجات إلى مشروعات منتجة يحتاج إلى استثمارات ومؤسسات وقوانين وحسابات اقتصادية دقيقة.

ومن هنا يمكن النظر إلى الفضاء الاقتصادي العراقي السوري بوصفه مشروعاً لإعادة تنظيم العلاقات بين الموارد والأسواق والممرات والقدرات الإنتاجية، وليس مجرد اتفاقية تجارية لتخفيض الرسوم الجمركية.

ويكشف التفصيل القطاعي للتجارة عن طبيعة الخلل بصورة أوضح. فوفق البيانات المنسوبة إلى قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية، بلغت الصادرات العراقية إلى سوريا نحو ١٦٫٩٤ مليون دولار سنة ٢٠٢٤، كان من أبرز مكوناتها الحبوب بقيمة ٨٫٢ ملايين دولار، ومنتجات الطحن بقيمة ٢٫٩٩ مليون دولار، ومواد البناء الأولية بقيمة ٢٫٦٥ مليون دولار. وفي المقابل، بلغت الواردات العراقية المسجلة من سوريا وفق القاعدة نفسها نحو ١٠٦٫٦٦ ملايين دولار، تصدرتها الفواكه والمكسرات بقيمة ٥٢٫٦٩ مليون دولار، والحيوانات الحية بقيمة ١٣٫١٢ مليون دولار، والخضراوات بقيمة ٨٫٣٨ ملايين دولار، والمنتجات الدوائية بقيمة ٧٫٧ ملايين دولار. وتختلف هذه البيانات عن بعض الأرقام المنشورة لدى الجهات الوطنية، الأمر الذي يستوجب توحيد منهج القياس قبل اعتماد تقدير نهائي لحجم المبادلات. 2026 Data 2027 Forecast 2010-2024 Historical +2

وتظهر هذه التركيبة أن العلاقة التجارية ما زالت محدودة الحجم، وأن جانباً مهماً منها يتركز في المنتجات الزراعية والغذائية والمواد الأولية، بينما لا تزال إمكانات التكامل الصناعي والتكنولوجي والخدمي بعيدة عن الاستغلال الكامل. ولذلك فإن مضاعفة التجارة، على أهميتها، لا ينبغي أن تكون الهدف النهائي، بل يجب أن تكون مدخلاً إلى تطوير القدرة الإنتاجية المشتركة.

ويحتل قطاع النفط والطاقة الموقع الأكثر حساسية في هذا التصور، لأنه يجمع بين المصلحة الاقتصادية المباشرة والاعتبارات الاستراتيجية طويلة الأمد. فالعراق يعتمد بصورة كبيرة على صادرات النفط في تمويل موازنته العامة، ويحتاج إلى تنويع منافذ التصدير وتقليل تعرضه للمخاطر المرتبطة بالممرات البحرية. أما سوريا فتحتاج إلى إعادة بناء قطاع الطاقة والبنية التحتية، ويمكن أن تستفيد من موقعها الجغرافي بوصفها ممراً للنفط العراقي نحو البحر المتوسط.

وقد عاد مشروع الربط النفطي بين العراق وسوريا إلى الواجهة خلال سنة ٢٠٢٦، مع بحث إنشاء منظومة جديدة تربط حقول النفط العراقية بميناء بانياس السوري. ووفق تقرير نشرته رويترز في السابع عشر من آب ٢٠٢٦، فإن المشروع المقترح قد تبلغ كلفته ١٥ مليار دولار أو أكثر، ويحتاج إلى أربع سنوات على الأقل، مع استهداف طاقة أولية تبلغ نحو مليوني برميل يومياً. وهذه تقديرات أولية لمشروع لم تستكمل دراسات جدواه وترتيبات تمويله وتنفيذه، لكنها تكشف عن الحجم الاقتصادي والاستراتيجي المحتمل لهذا الممر. Reuters +1

ولإدراك حجم المشروع، فإن نقل مليوني برميل يومياً يعادل نحو ٧٣٠ مليون برميل سنوياً عند التشغيل الكامل. وإذا افترضنا سعراً قدره ٧٠ دولاراً للبرميل، فإن القيمة الإجمالية للنفط المنقول قد تبلغ نحو ٥١٫١ مليار دولار سنوياً. ولا تمثل هذه القيمة إيرادات إضافية صافية للعراق، لأن النفط المنقول قد يكون منتجاً ومصدّراً أصلاً عبر منافذ أخرى، وإنما تكمن القيمة الاستراتيجية للمشروع في تنويع مسارات التصدير، وتقليل مخاطر التعطل، وتوفير خيارات إضافية للوصول إلى الأسواق العالمية.

أما بالنسبة إلى سوريا، فإن الفوائد المحتملة تشمل رسوم العبور والخدمات والتخزين والصيانة والتشغيل، إلى جانب فرص الاستثمار والعمل التي يمكن أن تنشأ حول الممر النفطي. وإذا افترضنا، لأغراض الحساب فقط، رسماً مقداره دولار واحد لكل برميل، فإن مرور مليوني برميل يومياً يمكن أن يولد إيرادات إجمالية قدرها نحو ٧٣٠ مليون دولار سنوياً قبل احتساب التكاليف والالتزامات التعاقدية. وتبقى هذه الأرقام افتراضية، لأن العوائد الفعلية تتوقف على الاتفاقات النهائية وحجم التشغيل والتكاليف.

غير أن بناء الفضاء الاقتصادي المشترك لا ينبغي أن يتمحور حول النفط وحده، لأن الاعتماد المفرط على قطاع واحد يعيد إنتاج الاختلالات التي تعاني منها الاقتصادات الريعية. ولذلك يجب أن يتحول النفط من مصدر للإيرادات المباشرة فقط إلى رافعة لتمويل البنية التحتية والصناعة والنقل والخدمات المنتجة، بما يسهم في تنويع القاعدة الاقتصادية للبلدين.

وفي مجال النقل والمواصلات، يمتلك العراق وسوريا فرصة لإنشاء ممر اقتصادي يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط، ويتيح حركة أكثر انتظاماً للبضائع والمواد الأولية والمنتجات الصناعية. ويمكن أن يشمل ذلك إعادة تأهيل الطرق البرية، وتطوير المعابر الحدودية، وربط شبكات السكك الحديدية، وإنشاء مراكز لوجستية ومستودعات ومناطق صناعية قرب نقاط الاتصال الرئيسية.

ولا تقاس أهمية هذه المشروعات بعدد الكيلومترات التي تنشأ أو حجم الأموال التي تنفق عليها، وإنما بقدرتها على تخفيض كلفة نقل الطن الواحد، وتقليل زمن وصول البضائع، وتحسين موثوقية سلاسل التوريد، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات العراقية والسورية. ولذلك فإن تطوير الممر الاقتصادي يحتاج إلى دراسات تقارن بين المسارات المتاحة، وتحدد حجم الطلب المتوقع على النقل، والطاقة الاستيعابية للموانئ والطرق والسكك الحديدية، وكلفة التشغيل والصيانة والتأمين.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!