بغداد – العالم
أعادت الكفاءات الهندسية والفنية العراقية إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية من طراز «بوينغ 737 ماكس» إلى الخدمة بعد استبدال محركها وإجراء الفحوصات الفنية اللازمة، في خطوة تفتح الباب أمام توجه أوسع لتوطين أعمال صيانة الطائرات داخل العراق وتقليل الاعتماد على الشركات والخبرات الأجنبية.
ورصدت «العالم» أن أهمية العملية لا ترتبط باستبدال محرك طائرة واحدة فحسب، بل بما يمكن أن تمثله من اختبار لقدرة الكوادر العراقية على استعادة دورها في قطاع فني شديد الحساسية، يحتاج إلى خبرة متراكمة وتجهيزات متخصصة وتراخيص دولية.
ويقول استشاري الطيران فارس الجواري إن استبدال محرك طائرة «737 ماكس» يمثل خطوة مهمة باتجاه توطين الصيانة، مشيراً إلى أن العملية تتطلب مهارات هندسية وفنية متقدمة، لكنها تقع ضمن قدرات المهندسين العراقيين بعد حصولهم على التدريب المناسب.
وأوضح في تصريحات تابعتها «العالم» أن صيانة الطائرات تنقسم إلى أعمال مجدولة تنفذ وفق ساعات التشغيل والفحوص الدورية، وأخرى غير مجدولة ترتبط بالأعطال الطارئة أو استبدال المحركات والمكونات التي تحتاج إلى إصلاح أو تغيير.
وأكدت الخطوط الجوية العراقية أن عملية استبدال المحرك أنجزتها ملاكاتها الهندسية والفنية وفق المتطلبات الفنية وإجراءات السلامة، معتبرة أن نجاحها يعكس امتلاك الكوادر الوطنية خبرات يمكن البناء عليها لتطوير جاهزية الأسطول.
ويبرز هذا التطور في وقت تسعى فيه الشركة إلى معالجة مشكلات مرتبطة بتوقف عدد من الطائرات ونقص بعض قطع الغيار، إلى جانب إعادة تأهيل الكوادر الفنية وتحديث مهاراتها. ويرى مختصون أن تقليص الاعتماد على الخارج يمكن أن يوفر مبالغ كبيرة كانت تنفق على إرسال الطائرات أو مكوناتها إلى شركات ومراكز صيانة خارج العراق.
لكن توطين الصيانة لا يعني الاستغناء الفوري عن الخبرات الأجنبية، إذ يشير الجواري إلى أن الاستعانة بالخبراء من الخارج يمكن أن تكون مفيدة إذا اقترنت بتدريب المهندسين العراقيين ونقل المعرفة إليهم، بدلاً من الاقتصار على تنفيذ المهمة ثم مغادرة الخبراء.
وتحتاج الكوادر العراقية، وفق المختص، إلى برامج تدريب متواصلة وتجديد تخصصاتها وصلاحياتها الفنية، إلى جانب استكمال متطلبات الترخيص لدى الجهات المختصة بالطيران المدني، بما يسمح لها بتوسيع نطاق الأعمال التي تستطيع تنفيذها محلياً.
وتبقى البنية التحتية أحد أبرز التحديات أمام هذا التوجه. فمركز الصيانة التابع للخطوط الجوية العراقية يمتلك حظيرة مخصصة لأعمال الطائرات، لكنه يحتاج إلى استكمال التجهيزات والمعدات المتخصصة، ومنها أدوات الصيانة الخاصة وورش إصلاح مكونات الطائرات، مثل معدات الهبوط وغيرها.
كما أن بعض الأعمال لا يمكن تنفيذها محلياً في الوقت الحالي بسبب نقص المعدات أو التراخيص، وليس بالضرورة بسبب ضعف القدرات البشرية. ويمكن معالجة هذا النقص، بحسب المختصين، من خلال الاستثمار في المعدات والتدريب واستقدام خبراء متخصصين لفترات محددة، مع نقل المعرفة إلى الكوادر العراقية.
وتشير التقديرات الفنية إلى إمكانية توسيع نسبة أعمال الصيانة المنفذة داخل العراق تدريجياً، بحيث يتم استقدام الخبرات الأجنبية فقط للأعمال الأكثر تخصصاً، مع تدريب العراقيين عليها وصولاً إلى تقليل الحاجة الخارجية.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن بقاء الطائرة خارج الخدمة لفترات طويلة يرفع الكلفة التشغيلية ويؤثر في جاهزية الأسطول، بينما يتيح وجود مركز صيانة متكامل داخل العراق تقليل فترات التوقف والاستجابة للأعطال بسرعة أكبر.
ويؤكد نجاح إعادة «737 ماكس» إلى الخدمة أن العراق يمتلك قاعدة بشرية قادرة على التعامل مع تقنيات الطيران الحديثة، إلا أن تحويل هذه التجربة إلى سياسة مستدامة يتطلب استثماراً منظماً في مراكز الصيانة والمعدات والتراخيص والتدريب.
وبذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام قطاع الطيران العراقي لم يعد إثبات قدرة المهندس العراقي على تنفيذ عملية صيانة محددة، بل بناء منظومة وطنية متكاملة تجعل صيانة الطائرات صناعة عراقية قائمة بذاتها، وتحوّل الخبرة المحلية من إنجازات متفرقة إلى قدرة مؤسسية مستمرة تقلل النفقات وتعزز جاهزية الأسطول.





