آلام الطرق..
9-شباط-2026

أدور ماشيا مع زوجتي في حديقة خضراء اخضرارا يبهج العين، ويتسلل من هذه الحاسة المدهشة الى كل أنحاء الكون. انه التمرين اليومي اللازم لإنقاص الوزن في إطار بضعة متطلبات أخرى لخفض نسبة السكر في الدم. هذا المرض الذي لا ألم منه ولكن اذا لم تتهيأ له وتستعد فانه يمكن أن يشن هجمات مفاجئة على مناطق مهمة من الجسم مثل العين والكلية.
أشعرني الأطباء في لندن بالفزع. هذا طبيب عام يفحصك ويكتب الوصفة ويحيلك الى مختبر. ثم فحوصات دم وغير دم شاملة تنقلك الى طبيب اختصاص. وتتلقى من مركز إرشاد صحي نداء تلفونيا الى المنزل يعرض خدماته، بلاش، وبينها دورة توعية بالمرض. وبجوار ذلك كله بطاقة صحية تخول مريض السكر استلام الأدوية من الصيدليات مجانا.
وهكذا « تدعبلت» في الأسابيع الماضية من طبيب الى آخر حتى وصلت الدكتور جعفر علاوي، وهو طبيب عراقي من أشهر اختصاصيي السكري في لندن. وكان كريما مثلما كان دقيقا في توجيهاته. والعلاج كله في حالة السكري نوع (2) بسيط .. ليس أكثر من حبوب ورياضة وأكل « مال اوادم»: اي قليل دون دهن وسكر. ولكن الخوف هو من المضاعفات وهذه غير أنها خطيرة على صحة الفرد فإن علاجاتها باهظة الكلفة على الدولة.
وباعتباري قادما من بغداد، كان لابد ان أرى في هذا الاهتمام مبالغة. وهي لاشك كذلك بالمقارنة. وكنت قد سألت الدكتور جعفر علاوي، وهو من أسرة طبية معروفة بينها ابن عمه الدكتور اياد علاوي، عن تقييمه للوضع الصحي في العراق، فألقى علي «شقشقية» من الألم الخالص، كان أحد أمثلتها وليس أهمها « تحول الاسعاف الى تاكسي»، مشيرا الى حادثة عرضت فيها احدى الفضائيات، طلب سيارة اسعاف 200 الف دينار ثمن نقل أحد المصابين بانفجار في بغداد!
وطوال « لخة» العلاج هذه، وبينها متعة المشي الرائعة، لم يغب عن بالي سائق تاكسي كان يقلني يوما في بغداد. ودار بيني وبينه حديث عرفت منه انه مريض بالسكر. وأراني حبوب العلاج في السيارة، قائلا انه يأخذها « بالتفاطين». كما انه لم يحرم نفسه من باجلة ودهن ولا من بقلاوة. وهو يقول « هذا مو مرض هذا مو شي».
لم يكن الرجل يتحدث باهتمام. كان لامباليا. هل كان يمارس انتحارا بطيئا؟ لا أحسب أن مثل هذا السؤال دار في خلده. لكنه يفعل ذلك دون شك. وهذه ليست إرادته وانما هي إرادة البيئة والجو العام في البلد. ان الاهتمام عنوان من عناوين الحياة. وان اللامبالاة عنوان من عناوين الموت. ومن أين يأتي الاهتمام بالصحة والحياة نفسها في البلد أصبحت نوعا من المصادفة؟
لن تكون الصحة أثمن ما في الوجود الا في بلاد صحيحة. بلاد تقدر الحياة وتحترم الانسان. قيمة كل شيء يمكن أن تتراجع وتنحدر وتتهاوى اذا كانت الصفحة الأولى مشلوعة من كتاب الحياة، وهي الأمن.
ان اهتزاز الأمن أكبر مهانة يمكن أن تلحق بكرامة الانسان. ويزداد الشعور بالمهانة عمقا وانتشارا في الجو العام مع قلة اهتمام الساسة بمصير البلاد. ولقد ترك هؤلاء الساسة كل شيء وتفرغوا لمتاهة الذي يحكم ولا يحكم. وهي قد تكون متاهة مجزية لهم، على ما فيها من خزي. ولكنها لا تفعل شيئا للناس سوى تعبيد طرق الانتحار البطيء. أديروا أعينكم في كل ما وفي كل من حولكم وسترون البلاد تغذ المسير في طرق الانتحار البطيء وأحيانا السريع. وفي حديقة لندن، التي أتلقى من المشي فيها بعض علاجي ومتعتي، لا تفارق بصيرتي آلام الطرق العراقية. وتبدو الحديقة مثل «ابتسامة بين الدموع».

رادار الإصلاح الحكومي يخترق أسوار الخطوط الجوية: تفكيك تركة الإخفاق الإداري واستعادة هيبة الطائر الأخضر
23-نيسان-2026
استراتيجية «صندوق دعم التصدير»: ثورة لتنويع الاقتصاد وتوطين شعار «صُنع في العراق»
23-نيسان-2026
بواقع 15 ألف متفرج نينوى تشرع بإنشاء ملعبها المركزي في أيمن الموصل
23-نيسان-2026
السِّيادة المؤجَّلة: سوريا وقيود الجغرافيا
23-نيسان-2026
الفلسفة عندما تكون أسلوب عيش في العالم
23-نيسان-2026
ياسمين عبدالعزيز تقاضي ناشري صورها المسيئة: «لا تليق بي كامرأة وأم مصرية»
23-نيسان-2026
دروب اللعنة
23-نيسان-2026
تشارليز ثيرون تروي تفاصيل مقتل والدها على يد أمها
23-نيسان-2026
شيرين عبد الوهاب تنهي قطيعة عام: الظهور الأول من الاستوديو
23-نيسان-2026
بين الملوية وذاكرة الحضارات.. سياحة العراق الآثارية تبحث عن نهضة مؤجلة
23-نيسان-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech