بغداد _ العالم
عند ضفاف نهر دجلة، تقف ملوية سامراء شامخةً كأنها تراقب قروناً من المجد والانكسار، شاهدةً على حضارةٍ كانت يوماً منارةً للعالم. لكن هذا الإرث العظيم، الذي يمتد عبر آلاف المواقع الأثرية في العراق، لا يزال يراوح مكانه بين الإهمال والطموح، في وقتٍ يتزايد فيه الحديث عن ضرورة تحويل السياحة الآثارية إلى ركيزة اقتصادية بديلة عن النفط.
رغم أن العراق يُعد من أغنى دول العالم بالمواقع الأثرية، حيث يضم ما يقارب 150 ألف موقع موزعة بين مدنٍ تاريخية ومعابد وقصور، إلا أن هذا الإرث لم يُستثمر بالشكل الذي يليق بحجمه وأهميته. ويبدو أن الفجوة بين الإمكانات الهائلة والواقع الفعلي لا تزال واسعة، وسط تحديات سياسية وأمنية واقتصادية تعرقل مسيرة النهوض بهذا القطاع الحيوي.
يرى مختصون في مجال السياحة والآثار أن جذور الأزمة تعود إلى عقود من عدم الاستقرار، ما انعكس بشكل مباشر على ضعف الاهتمام الحكومي وتراجع البعثات الأثرية الأجنبية التي كانت تلعب دوراً محورياً في التنقيب والتطوير. كما أن غياب التخطيط الاستراتيجي المتكامل، وضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية، أسهما في إبطاء عجلة الاستثمار السياحي.
ولا يمكن إغفال عامل الثقافة المجتمعية، إذ يشير باحثون إلى أن ضعف الوعي بأهمية الآثار وحمايتها أدى إلى تعرض العديد من المواقع إلى الإهمال أو التخريب، فضلاً عن استمرار تهريب القطع الأثرية. هذه التحديات مجتمعة تجعل من السياحة الآثارية قطاعاً مهمشاً رغم قدرته على أن يكون مورداً اقتصادياً مستداماً.
في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن هناك تحركات فعلية لتدارك هذا الواقع، حيث تعمل وزارة الثقافة والسياحة والآثار على تحديث خططها بما يتناسب مع المتغيرات الراهنة. وتشير إلى أن العراق شهد في السنوات الأخيرة عودة تدريجية للبعثات الدولية، إلى جانب تسجيل عدد من عناصر التراث غير المادي ضمن قوائم منظمة اليونسكو، وهو ما يعزز الحضور الثقافي للعراق على الساحة العالمية.
كما شهدت بعض المواقع الأثرية أعمال صيانة وتأهيل، شملت معالم بارزة في بغداد وغيرها من المدن، في محاولة لإعادة إحياء الوجه الحضاري للبلاد. ويعكس ارتفاع عدد السياح، الذي وصل إلى نحو مليوني سائح مع مطلع عام 2026، مؤشراً إيجابياً على إمكانية استعادة العراق لمكانته كوجهة سياحية مهمة في المنطقة.
غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تزال بحاجة إلى دعم حقيقي على أرض الواقع، إذ يؤكد خبراء أن التحدي الأكبر يكمن في التنفيذ، لا في وضع الخطط. فالعراق يمتلك استراتيجيات طموحة، من بينها رؤية تستهدف جذب 10 ملايين سائح بحلول عام 2035، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب بنية تحتية متطورة، وبيئة آمنة، واستثمارات كبيرة في قطاعي الخدمات والتسويق. ويُعد التسويق السياحي أحد أبرز نقاط الضعف، حيث يفتقر العراق إلى حملات ترويجية فعالة تبرز تنوعه الحضاري والثقافي. كما أن غياب المهرجانات الدولية والفعاليات الثقافية الكبرى يحرم البلاد من فرص مهمة لجذب السياح وتعريف العالم بإرثه الغني.
في خضم هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة، وتعتمد على تكامل الجهود بين القطاعين العام والخاص، فضلاً عن إشراك المجتمع المحلي في حماية واستثمار المواقع الأثرية. فالسياحة الآثارية ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي مشروع وطني يعكس هوية البلاد وتاريخها.
تبقى ملوية سامراء، وغيرها من المعالم الخالدة، شاهدة على إمكانات لم تُستثمر بعد، وعلى حلمٍ مؤجل ينتظر إرادة حقيقية لتحويله إلى واقع. وبين الماضي العريق والحاضر المتعثر، يقف العراق أمام فرصة تاريخية لإعادة اكتشاف نفسه، ليس فقط كأرض للنفط، بل كمهبطٍ للحضارات ووجهةٍ للعالم.