الاستقرار نعمة لا تقدر بثمن. هو أساس السلام والتنمية وكافة مستلزمات الحياة الطبيعية لأي بلد من البلدان. كم يوجد من الاستقرار في البلدان العربية وجودا مطمئنا؟ هناك القليل في الواقع. وقد استدعى عملي في وقت ما التنقل بين عدد من البلدان العربية، لانجاز افلام وثائقية. وكانت هذه الاعمال من طبيعة سياسية وتاريخية. في بعض الحالات، مثل مصر ولبنان والمغرب والجزائر واليمن وتونس، استطعت الدخول وتنفيذ الاعمال. بعضها الاخر اضطررت الى تنفيذه من الخارج، مستعينا باناس ووثائق من الداخل، بطريقة اشبه بالسرية. البعض الاخير استحال تحقيقه من الخارج والداخل معا.
كان موضوع الافلام يتعلق برؤساء وملوك سابقين. وفي بلدين على الاقل وجدت ان مقاربة تاريخ من هذا النوع محرمة او ممنوعة بتعبير أدق. ولكم ان تتصورا اي معنى يمكن ان يكون فيهما للاستقرار اذا كان التاريخ فيهما ممنوعا. وهو لم يمنع الا لأنه موضوع صراع او معركة. فاذا كان الماضي ساحة معركة فماذا يمكن ان يكون الحاضر؟
والبلدان المعنيان كانا ومازالا معدودين بين البلدان المستقرة. هو استقرار ناشىء عن وجود انظمة تسلطية لا تسمح بحرية حزبية او كلامية. استقرار ناشىء بالتالي عن القوة، بل الطغيان اذا شئتم. وهما ربما صارا يستمدان شرعيتهما في هذه الأيام الكالحة من القدرة على فرض ذلك الاستقرار. وقد تكون التجربة العراقية بعد 2003 زادتهما شرعية. فهذه التجربة، حتى هذا الوقت من عمرها على الاقل، اخافت الشعوب العربية من رفع سدادة الطغيان حتى لا تنفجر الفوضى او ينهار الامن.
ولقد وجدت معظم انواع الاستقرار السائدة في البلدان العربية من نوع اباريق الشيخ صندل، كما يقول مثل عراقي، لا احد منها سليم تماما بحيث يدعوك الى الاطمئنان والثقة. هناك دوما اشباح مهددة ومؤرقة. الاستثناء رأيته في المغرب. هناك يوجد اتفاق عام سائد بين النخب وفي اوساط الشعب على اعتبار الاسرة المالكة رمز الأمة ورمز وحدتها. اتفاق لا يشوبه أدنى خلاف. تحت المستوى الملكي توجد كل انواع الخلافات والصراعات. ولكن ايا منها لا يحمل طابع تهديد الاستقرار. اذا سلم الرأس هانت بقية اصابات الجسد.
حتى في أوقات ضعف الاسرة الملكية، ايام الاستعمار الفرنسي، كان لها القدرة على قيادة التيار العام في البلاد وعلى عكس اتجاهه مهما كان قويا. فمثلا خلال الحرب العالمية الثانية كان التيار العام في البلاد أميل الى دول المحور، على الاقل بسبب احتلال احدى دول الحلفاء للبلاد. لكن الملك الراحل محمد الخامس استطاع اعادة توجيه التيار نحو مساندة الحلفاء. واكثر من ذلك فانه أشرك قوات البلد في الجهد الحربي للحلفاء. وهذا هو نفس ما فعله غاندي، وكانت الهند تحت الاحتلال البريطاني، اذ انحاز ايضا الى الحلفاء، ودعا شعبه الى المساندة الطبية خصوصا، لأن رائد فلسفة اللاعنف لا يساهم في حروب.
وكلا الرجلين لم يكافأ برد الجميل الفوري من الاحتلالين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكنهما حظيا بتقدير عال لدى اوساط وشرائح مهمة من الرأي العام الغربي. الكاتب والروائي الشهير فرانسوا مورياك، مثلا، ترأس جمعية ساندت نضال المغرب من اجل الاستقلال ضدا من سياسة حكومته.
للاستقرار كثافة في المغرب. ذلك ما يبقى راسخا في البال حين تقوم بزيارة الى تاريخه وحاضره.