أ.د. حمزة محمود شمخي*
سبق وان تم عرض ثلاث مقالات حول القيادة الإدارية الجافة، والقيادة الإدارية السلبية والقيادة الإدارية الفوضوية او السائبة، وهي انماط قيادية ادارية حديثة لها مبدعوها وكتابها، تعكس سلوك القائد الإداري والتي من خلال مضمونها يتجسد الجانب السلبي ولربما القسوة الادارية في تعامل القائد مع المرؤوسين وفي ممارسة العملية الادارية اعتقادا من ان ذلك السلوك القيادي القاسي والسلبي والفوضوي هو الضامن لديمومة منظمة الأعمال.
ولكي لا يكون توجهنا سلبيا تشاؤميا في استعراض ان الفكر الاداري لم يقدم سوى الأنماط القيادية السلبية والقاسية والمتعبة، وان كل القادة الاداريين هم من ذوات الأنماط القيادية تلك التي أربكت العمل الجماعي من خلال سلوك القائد القاسي وتعامله مع المرؤوسين، لذلك سوف نعرض نقيض تلك الانماط القيادية التي عرضها الفكر الاداري وهو نمط القيادة الروحية Spiritual Leadership والتي تعد من النظريات القيادية الحديثة والمعاصرة حيث ركزت على الممارسات الاخلاقية والسلوكية والروحية للقائد الاداري في تعامله مع المرؤوسين وتكريمه لهم اثناء ادارته، ابتعادا عن الانا القاسي واعتبار احترام العاملين وتكريمهم هي جزء من مهمته الإدارية.
إن القيادة الادارية الروحيةSpiritual Leadership نظرية قيادية معاصرة تعد من نماذج القيادة الانسانية التي (ترفض الاعتماد على قيم تحقيق المصلحة الشخصية مثل امتلاك القوة والثروة) لمن يتحمل المسؤولية.
وبناء على ذلك يمكن تعريف القيادة الروحية بانها (تجسيد للقيم الروحية التي يتحلى بها القائد في تعامله الأخلاقي من الأفراد العاملين كالإيمان وحب الإيثار وتكوين الرؤية المستقبلية للمنظمة).
والقيادة الإدارية الروحية تشير إلى أسلوب قيادي يدمج (القيم، الأخلاق، والمعاني السامية في بيئة العمل لتحفيز الموظفين وزيادة انتمائهم)، ويركز على (الرؤية، الأمل، والإيثار لتحقيق أهداف المنظمة). ويعزز هذا الدمج (الالتزام والثقة والإنتاجية من خلال تلبية الحاجات النفسية والروحية للعاملين، ويجعل القائد نموذجاً يُحتذى به، يركز على الرحمة والنزاهة لضمان الترابط الاجتماعي والنجاح المستدام).
وتعرف ايضا على انها (تشجيع لبيئة عمل تمكن الأفراد من عرض مواهبهم فيها، قائمة على الثقة والقيم الإنسانية) المعروفة.
وينظر لها أيضا كونها (نهج يركز على القيم الروحية والأخلاقية في الإدارة، ويهدف لإشباع الاحتياجات الروحية للموظفين عبر منح العمل معنى وقيمة تتجاوز الماديات).
ولا بد من التأكيد ان السلوك الروحي كممارسة هي توصية إلهيه للبشر تجسدت في أكثر من سورة قرآنية وآية مباركة، مثل قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء 70).
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾(البقرة143).
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ * فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الاعراف 99).
وحديث قدسي شريف (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
وقول للإمام علي(ع): (الروح حياة البدن والعقل حياة الروح).
وهذه الآيات الكريمات وأحاديث وأقوال من أكرمهم الله أكراما خاصا، تفسير حقيقي وتوصية صريحة من الله عز وجل في الابتعاد عن ظاهرة الاستعلاء السلوكي لبعض القادة الإداريين على من يقودوهم ويعملون معهم، من خلال شعورهم (بالعلو والغرور والكبرياء الأجوف الناتج عن تزاحم الذوات، وصراع الأنا والمصالح)، وعدم فقههم للعمل الإداري بشكل عام والقيادي منه بشكل خاص.
وفي هذه الآيات توصية إلهية فيها من الرحمة الربانية لشكل التعامل الذي يجب ان يكون مع الآخرين، وبتأكيد أن (التعامل الإلهي هو تعامل رأفة ورحمة للناس، فالغنى رحمة للناس والفقر كذلك، والحياة رحمة للناس والموت كذلك) وهكذا في كل شيء، جسده الله سبحانه وتعالى في آيات كريمات. فالرأفة والرحمة ميزان إلهي للناس يضمن ويوفر لهم (ما استحقوه من الثواب من غير تضييع لشيء منه).
لقد أصبحت القيادة الروحية مجال اهتمام وعناية كبيرة في الدراسات الإدارية والتنظيمية وركيزة أساسية في نجاح وتفوق منظمات الاعمال من خلال صناعة وإعداد القائد الإداري الذي يكون جل اهتمامه هو (إلهام وتحريك مواردها البشرية العاملة فيها نحو دلالات التسامي، إذ أن توافر الطاقة الروحية عند القائد يمثل أحد جوانب السلوك التحفيزي لمرؤوسيه، وكذلك جانبا أساسيا لفاعلية قيادته لهؤلاء المرؤوسين).
ولكي يضمن القائد الروحي Spiritual leader ذلك الدور وفق هذا المضمون يجب ان يتمتع ويتحلى بحزمة من الصفات عند قيادته لاي منظمة اعمال ، وهذه الصفات هي (الرحمة و الشجاعة و الصدق و التواضع والالهام والنزاهة والشعور بالهدف والحدس والتفاعل والانفتاح والصبر والتسامح، وهذه الصفات يشترك فيها الفرد الروحي مع القائد الروحي لكن من المتوقع ان يكون القائد الروحي لديه نفس الخصائص في مستوى اعمق من الآخرين). ومن خلال هذه الصفات يستطيع القائد ان يتعامل مع المرؤوسين ويضمن تحقيق الاهداف من قبلهم، وهم سيكونون مبدعين وملهمين وفق روحانيتهم لذلك.
ولكون القيادة الروحية منهج معاصر في السلوك القيادي، فقد زاد اهتمام الباحثين في عرض ومناقشة ابعادها، فمنهم من حددها بسبعة أبعاد واضحة وهي (الرؤية، والأمل، والإيمان، وحب الإيثار، والمعنى، والالتزام التنظيمي، والإنتاجية)، ومن خلال هذه الابعاد يشترك القائد مع المرؤوسين في تجسيد جوانب التسامي داخل المنظمة وتعظيم الطاقة الروحية للجميع وبهذا يسير بها نحو النجاح والرقي والاستدامة والازدهار.
واذا ما أتقن القائد الإداري مهارة العلاقة الروحية مع المرؤوسين فان ذلك يؤدي إلى نتيجة جامعة بين (قوة الترابط الاجتماعي وتحقيق الأهداف، فقوة الترابط الاجتماعي يعد ذلك تأصيل للرحمة بين الناس، ومن أبرز سماتها: المودة، والتقارب، والألفة) واذا ما تحقق ذلك تصبح منظمة الأعمال بقائدها ومرؤوسيها أكثر قدرة على تحقيق الاستدامة والازدهار والنمو.
إن القائد الإداري في أي منظمة أعمال اذا ابتعد عن روحية القيادة قد يكون ظالما وسوف يفهم ان سلب حقوق المرؤوسين هو ظلم سيدفعه، وسيشاهد بعينه نقمة ذلك التصرف داخل المنظمة، ان آجلا ام عاجلا.
* أكاديمي في جامعة البيان ـ كلية ادارة الاعمال