مقدمة: تُثار مسألة الهوية الوطنية في العراق غالبًا في سياق الأزمات والانقسامات، وتُستدعى بوصفها شعارًا تعبويًا أو انتماءً عاطفيًا أو سردية تاريخية متنازعًا عليها، الأمر الذي جعل مفهوم الهوية نفسه عرضة للتسييس والتفكيك بدل أن يكون إطارًا جامعًا للاستقرار. والحال أن الإشكال لا يكمن في غياب الحديث عن الهوية، بل في غياب تعريف معرفي واضح لها، يميز بين ما هو وطني جامع وما هو ديني أو ثقافي أو اجتماعي جزئي.
الهوية الوطنية، في معناها الدقيق، لا تُبنى على المشاعر ولا على الانتماءات الخاصة، بل تقوم على مجموعة من المعتقدات العامة المشتركة التي يُفترض أن يشترك فيها جميع المواطنين بوصفهم مواطنين، لا بوصفهم أعضاء في جماعات دينية أو قومية أو اجتماعية بعينها. وهذه المعتقدات ليست توصيفات اجتماعية، بل أحكام معيارية تُحدد شروط الانتماء الوطني، وتضع الإطار العام الذي يُدار داخله الاختلاف المشروع.
من هذا المنطلق، يمكن تعريف الهوية الوطنية العراقية بوصفها بناءً معرفيًا تقويميًا يتألف من عناصر محددة وواضحة، أولها الإقرار بأن العراق بحدوده المعترف بها دوليًا يشكّل وطنًا واحدًا غير قابل للتجزئة، وهو وطن مشترك لجميع مواطنيه دون استثناء. هذا الإقرار لا يحمل بعدًا جغرافيًا فحسب، بل يؤسس لفكرة أن الوطن حقيقة قانونية-سياسية جامعة، لا مجال لتفكيكها أو إعادة تعريفها على أسس طائفية أو إثنية أو تاريخية انتقائية.
العنصر الثاني يتمثل في تعريف العراقي تعريفًا قانونيًا جامعًا، فالعراقي هو من وُلد في العراق، أو وُلد خارجه من أبوين عراقيين، أو اكتسب الجنسية العراقية وفقًا للقانون، وبذلك تُنزع صفة الوطنية من أي معيار غير المواطنة القانونية، ويُغلق الباب أمام محاولات الإقصاء أو التشكيك في الانتماء استنادًا إلى الأصل أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. هذا التعريف لا يلغي التعدد، بل يؤطره داخل مفهوم المواطنة المتساوية.
أما العنصر الثالث، فيتعلق بإدراج النظام السياسي ضمن مكونات الهوية الوطنية، باعتبار أن النظام الجمهوري الاتحادي الديمقراطي ليس مجرد آلية حكم عابرة، بل جزء من الإطار الدستوري الذي يُنظم العيش المشترك، ويُحدد قواعد تداول السلطة، ويمنع احتكارها أو تأبيدها. إدراج النظام السياسي في صلب الهوية لا يعني تحصينه من النقد أو الإصلاح، بل يعني أن تغييره لا يتم إلا عبر الوسائل الدستورية، لا عبر العنف أو فرض الأمر الواقع. وتتوسع عناصر الهوية الوطنية لتشمل سيادة القانون بوصفها المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع دون استثناء، والمساواة السياسية التي تضمن تكافؤ الحقوق والواجبات بين المواطنين، ووحدة المجال العام الذي يُدار على أساس التعددية السلمية لا الانقسام الهويّاتي، إضافة إلى الالتزام بالتداول السلمي للسلطة ورفض العنف السياسي الداخلي بوصفه نقيضًا لفكرة الوطن المشترك. وفي هذا السياق، يبرز موقع الدين بوصفه مسألة تحتاج إلى ضبط مفاهيمي دقيق، فالإسلام، بصفته دين أغلبية المواطنين، مكوّن أساسي من الواقع الديني والثقافي للمجتمع العراقي، وله حضور تاريخي ورمزي عميق، غير أن هذا الحضور لا يتحول إلى معيار للانتماء الوطني، ولا يُدرج ضمن شروط المواطنة. فالانتماء الديني يبقى حقًا فرديًا وجماعيًا مكفولًا، بينما تظل الهوية الوطنية إطارًا قانونيًا جامعًا.